عن الغرب وتعدد النظريّات النقديّة
يعود الحوار حول الشرق والغرب بكل تشظّياته وتفاصيله المفهومية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية إلى السطح بين فترة وأخرى. وهو نقاشٌ يتصاعد مع الذروات والتحولات. على سبيل المثال ثمة نقاشات أخلاقية حول «الذكاء الاصطناعي». أما على المستوى الاقتصادي فمن أولئك الذين ركّزوا على الدور الغربي في تسيير النظام الاجتماعي بسبب الآثار التطبيقية للرأسمالية الباحث بيتر فليمنغ في كتابه (طُبع 2024، وترجمه البيان غرة) الذي عنونه بـ«رأسمالية الشوكردادي: الوجه المظلم للاقتصاد الحديث». حاول المؤلف دحض الممارسات الرأسمالية بل خصّ فصلاً حتى عن شركات التوصيل وحمّل الغرب كل الانهيارات، وهو كتابٌ يلبّي رغبات المثقفين النزّاعين نحو تيارات الثورة واليسار ومعاداة الغرب.
امتداداً لكل ذلك النقاش ثمة وعيٌ مؤثر في تلك الظواهر المنفلتة، وسوف أعرض لمقالتَين مهمتَين كُتبتا في يومٍ واحد بهذه الجريدة، وعبرهما طُرحت نظريتان جديرتان بالتعليق؛ الأولى مقالة الدكتور رضوان السيد بعنوان «الصراع على الحاضر بالتاريخ!». رأى الأستاذ رضوان أنه منذ إدوارد سعيد، وإلى يساره فيما صار يُعرفُ بتيار التابع (subaltern)، تصاعدت الحملة الشعواء على الغرب الآثم العامل على إبادة العالم وإبادة نفسه. وهذا تقليد منذ أيام الاستعمار وفي شتى العلوم والسلوكيات. عند إدوارد سعيد كان الإسلام (في كتابه «تغطية الإسلام») مظلوماً في العلوم والإعلام والثقافة بالغرب، ثم نما هذا الميل، و«تردْكل» واتجه إلى التاريخ الفكري والفقهي والفلسفي، فتبلور الإسلام عبر التاريخ بوصفه نظاماً كاملاً يكون عليه أن يصادم الغرب المتآمر عليه وعلى العالم. وكما أفاد الإسلامويون من نزعات إدوارد سعيد المخاصمة للغرب، أفادوا أكثر من نزعات الديكولونياليين المنتشرين في الهند وأميركا اللاتينية والجامعات الغربية.
بينما يرى الأستاذ ممدوح المهيني في مقالته المُعنْونة بـ«الأزمة في المثقفين العرب» أن من أخطر هذه الأفكار التي يروجون لها؛ معاداة الغرب وقيم السوق والعولمة والثقافة العقلانية. أغلب الدول الثرية في قائمة العشرين هي دول غربية، وقيم السوق والعولمة هي التي صنعت عالمنا اليوم، والثقافة العقلانية العلمية هي أساس نجاح المجتمعات. يعظون ضد القيم التي جعلت أكثر هذه الدول ناجحة، ويُحدثون ضرراً فادحاً في طريقة تفكير مجتمعاتهم. تحولت الصحف والمجلات والتلفزيونات إلى معامل لإنتاج هذه الأفكار ونشرها على أوسع نطاق.
نعم، إن هذه النقاشات المتجاورة من قِبل المجتمعات والأديان، ومنها الإسلام، حول الغرب حيويّة، إنها ليست استشرافاً للمستقبل كما ساد في القرون الماضية، ولا استغراباً على ثقافة الغرب، كما هو عنوان كتاب الأستاذ حسن حنفي («مقدمة في علم الاستغراب»، طُبع 1991).
ومع هذه الموجة من الدرس والتحليل يجب الخروج من القوقعة القديمة وتنويع الدرس والاطلاع، وهذا ما نشهده من كثافة بحثية أوروبية تجاه الإسلام ومعارفه وعلومه وتاريخه مفيد بل ضروري.
إن هذا التلاقي بين الثقافة الغربية الصاعدة خصوصاً في مجالات التاريخ، مع دراسات العلوم الدينية، والأنثروبولوجيا، يمكنه أن يؤسس لنقاشٍ مختلف عن التضاد الذي ساد بين النخب الإسلامية والغربية في السابق. لكن هل انتهى الاستشراق؟! البعض يقول انتهى، ولكن الأكيد أنه بات من المهام الدراسية القديمة، لقد ضُخّم كتاب إدوارد سعيد («الاستشراق» طبع 1978)، واستثمرت به التيارات المتعددة والمتناقضة أحياناً، وهذا من اللافت.
الخلاصة؛ أن الأطروحات التي تسيء للغرب خبط عشواء من دون تعليل منهجي أو مفهومي تعبّر عن هشاشة المجال الثقافي، والكارثة أن من يهاجم الغرب ينطلق من نظرياتٍ غربية، مثل كتاب «تدهور الحضارة الغربية» لشبنغلر (طُبع 1918)، وهم يظنّون أنهم يحرجون الغرب بذلك، في حين تمثّل كل تلك المقولات من شبنغلر وغيره نقداً ذاتياً لا يفرّغ الغرب من مضمونه المتفوّق وإنما يريد له أن يخرج من بعض الأنفاق التي اعتورتْه، وهذا ما يصعّب على بعض المثقفين المغتبطين بكتب الغربيين في الهجوم على الغرب فهمه.