بين فائض القوة واستعصاء الحسم
في الصراعاتِ الكبرى، لا تكمنُ المشكلةُ دائماً في معرفة ما تريدُه الدول؛ بل في أنَّ كلَّ طرفٍ يدخل المواجهة وهو يقاتل من أجلِ هدفٍ مختلف. وهذا تحديداً ما يجعل العلاقةَ بين الولايات المتحدة وإيران تبدو منذ سنوات، كأنَّها في حلقة مفرغة من التصعيد والتفاوض والعقوبات والتهديدات المتبادلة، من دون أن تصل إلى الحسم. فواشنطن وطهران لا تخوضان المعركة نفسَها أصلاً، حتى لو استخدمتا اللغة ذاتَها.
منذ انسحابِ الرئيس دونالد ترمب من الاتفاقِ النووي عام 2018، بدا واضحاً أنَّ القضيةَ بالنسبة إليه ليست مرتبطة فقط بنسبة تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي فحسب؛ بل سياسية وشخصية أيضاً. فالرجلُ بنى جزءاً أساسياً من خطابه على أنَّ اتفاق باراك أوباما مع إيران كان «أسوأ صفقة في التاريخ»، وبالتالي لم يعد الهدف مجرد ضبط البرنامج النووي الإيراني؛ بل إثبات أنَّ أي اتفاق جديد يجب أن يكونَ «أفضلَ» من الأول وأكثر تشدداً، وإظهار ترمب بوصفه الرئيس الذي أجبرَ طهرانَ على تقديم تنازلات أكبر.
من هنا يمكن فهم ما يبدو تناقضاً في السياسة الأميركية تجاه إيران. ضغط اقتصادي غير مسبوق، وتهديدات عسكرية متكررة، واغتيالات مباشرة، يقابلها في الوقت عينِه فتحُ أبوابِ التفاوض والحديث عن إمكانية التوصل إلى صفقة كبرى. كأنَّ واشنطن لم تحسم حتى الآن ما إذا كانت تريد تغييرَ سلوك النظام الإيراني أم تغييره، وإذا كانتِ المشكلة البرنامج النووي أم تشملَ الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وشبكة الحلفاء.
في هذا المشهد، تبقى إسرائيلُ عنصراً أساسياً في التصعيد؛ إذ تنظر إلى تحوُّل إيرانَ إلى دولة نووية أو إلى قوة إقليمية بوصفها تهديداً وجودياً لا يمكن احتواؤه. لذلك اعتمدت سياسةً تقوم على الاستنزاف والضربات الوقائية، مع الضغط المستمر لدفع واشنطن نحو خياراتٍ متشددة، حتى جعلت الحرب واقعاً.
إيرانُ تمكَّنت من التكيّف، بخلاف كثير من الأنظمة التقليدية؛ لا تتعامل مع العقوبات أو الضغوط بمنطق الأزمة المؤقتة، بل بوصفها جزءاً دائماً من طبيعة النظام، تضعفها، لكنَّها في الوقت نفسه أسهمت في إنتاج نظام أكثر خبرة في العيش تحت الضغط، وأكثر قدرة على تحويل الحصار إلى جزء من آلية بقائه. منذ ثورة 1979، قام النظام على «الصمود الطويل» وتحويل الحصار إلى أداة تعبئة داخلية. لذلك لم تؤدِّ العقوباتُ إلى انهياره؛ بل إلى إعادة تشكيل اقتصاده وأدواته الأمنية وحتى خطابه السياسي. ومن هنا يصبح الموضوعُ النَّوويُّ جزءاً من فلسفة البقاء، لا مجردَ مشروع عسكري.
هل تريد إيرانُ فعلاً امتلاكَ قنبلة نووية؟ هنا تبدو الصورة أكثرَ تعقيداً. قد لا يكون هدفُ طهرانَ تصنيعَ سلاح نووي بقدر الوصول إلى وضع «دولة العتبة النووية»؛ أي دولة تمتلك القدرةَ والتقنية على إنتاج القنبلة خلال فترة قصيرة من دون إعلان رسمي. وهذا يمنحُها أفضليةً استراتيجية مزدوجة: ردع فعلي، وتجنّب تكلفة التحول إلى دولة نووية معلنة.
فامتلاك القنبلة رسمياً قد يفتح الباب أمام مواجهةٍ عسكرية شاملة أو سباق تسلح إقليمي واسع، بينما البقاء على حافة القوة النووية يمنح إيران مساحة غموض استراتيجية، تجعل خصومَها مضطرين إلى التعامل معها بوصفها قوة يصعب تجاهلها أو مهاجمتها بسهولة. قد تكون «القدرة على تصنيع القنبلة» أهمَّ بالنسبة إلى طهران من القنبلة نفسها. وربَّما لهذا السبب تحديداً، تبدو إيران، رغم كل الضربات والخسائر، قادرة على الصمود. فالحديث عن خسائرها العسكرية أو الاقتصادية صحيح، لكن المشكلة أن خصومها، رغم تفوقهم الهائل، لم ينجحوا في تحويل هذه الخسائر إلى هزيمة كاملة. لقد خسرت طهرانُ منشآتٍ وقادةً ونفوذاً، لكنَّها نجحت في الحفاظ على جوهر النظام والاستمرار.
من جهة أخرى، المشروع الإيراني لم يتمدد فقط بسبب قوته الذاتية؛ بل أيضاً بسبب أخطاء خصومه. فالغزو الأميركي للعراق والحرب السورية والتباينات العربية، والتردد الأميركي بين الحرب والتفاوض، كلها فتحت فراغاتٍ تمدد داخلها النفوذُ الإيراني. وحتى إسرائيل، رغم تفوقِها العسكري الهائل، وقعت في خطيئة القوة المفرطة، فتحوَّلت الحروب الطويلة والدمار الواسع في غزة وبعدها بجنوب لبنان، من أداة ردع إلى عاملٍ يعيد إنتاج سردية «المقاومة» التي تتغذى عليها إيرانُ ومحورها. مشاهدُ الحربِ والدمار أسهمت في تعزيز البيئة السياسية والنفسية التي يتحرك داخلها النظام الإيراني وأذرعه. لذلك تبدو طهرانُ اليوم، للمفارقة، ضعيفة، لكنَّها أكثر اقتناعاً بأنَّ خصومها عاجزون عن كسرها.
المعضلة في الصراع الأميركي - الإيراني أنَّ أميركا تمتلك فائضَ القوة، لكن ينقصها وضوح الهدف، بينما إيران أكثر ثباتاً لما تعدّه «الصمود». ولذلك يستمر النزاع دون نهاية حاسمة. فلا واشنطن التي تمتلك أدواتِ الضغط نجحت في فرض تسويةٍ نهائية لافتقارها إلى رؤية إقليمية واضحة، ولا إيران استطاعت تحويلَ قدرتها على التكيّف مع الخسائر واستنزاف الخصوم إلى انتصار.
لعلَّ المنطقة دخلت زمناً جديداً، حيث يستطيع جميع القوى تعطيلَ هزيمتها، لكنَّها تعجز عن إنتاج انتصار حاسم، لتنتقل من مرحلة الحروب الحاسمة إلى مرحلة إدارتها.