صور والبرابرة
لم تخلُ صُور... بل أُفرغت. ولم تستسلم، بل دُكّت وهَوت تحت مطارق المغول. مدينةُ المدن صُور. مثل جبيل؛ هي أعتق المدن التي لا تجف ولا تتوقف ولا يحاصرها حصار. هذه مدينةُ البقاء والجمال، وقاهرةُ ذي القرنين، ومعبرُ الحضارات. مَن لم يمر من هنا؟ مَن لم يتوقف؟ مَن لم يترك آثاره في أغزر مجمع أثري في أكثف موطن أثري يُدعى لبنان؟
كنا نضحك من سعيد عقل عندما يتباهى، بلغته الاعتزازية، بمدنِ هذا الساحل، وأعزِّها صُور. وكان ذلك جهلاً مطلقاً. فإنما نحن أحفاد عمرو بن كلثوم «ونجهل فوق جهل الجاهلينا».
قف يا مندوبَ البرابرة واسأل آلاف الفازعين المطرودين إلى العراء عن المدينة التي نقلت الأبجدية إلى الإغريق... عن المدينة التي جاءها أبو المؤرخين؛ هيرودوتس، بحثاً عن معبد مِلْقَارْت وعمرها يومذاك 2500 عام. جميع الثقافات مرت في هذا الملتقى: الفينيقيون والفرس والآشوريون واليونان والرومان والبيزنطيون والصليبيون والمماليك والعثمانيون...
اليوم يَطلب رجالُ الكابينيت من أهل هذه المدينةِ إخلاءها من أجل سلامتهم... مدينةٍ تكدست فيها الطبقات التاريخية قبلها. ما من تَجمُّعٍ تاريخي حظي بذهول الأرض مثلها: أهمّ سجلٍ لِما تضعه الحضارات الإنسانية.
يستعرض ضابط إسرائيلي نقاط هذه اللوحة، ثم يذهب إلى مكبرات الصوت: لا نريد أن نرى مخلوقاً بشرياً في هذه المدينة بعد السادسة.
تصنف الـ«يونيسكو» لبنان ضمن أغنى بلدان الأرض بالآثار العظيمة. وتصنف الجنوبَ المنطقةَ الأغنى في لبنان، وصورَ الأغنى في الجنوب.
لا يشبع برابرة الكابينيت من تدمير هذه الجوهرة.