أخر الأخبار
هندسة اليوم التالي للاتفاق مع إيران
هندسة اليوم التالي للاتفاق مع إيران

اختلفت أهدافُ ونتائجُ الحرب الأميركية - الإيرانية عن كثير من حروب واشنطن السابقة، وأسست مذكرة التفاهم بينهما لنمط جديد من اتفاقات «إنهاء الحروب» التي لم تُرفع فيها الراية البيضاء، ولم يتحقق النَّصر الساحق والحاسم، والأهم أنَّ من سينفذ الاتفاق ليس نخبة جديدة زرعها المنتصر كما فعلت القوات الأميركية في أفغانستان حين أسقطت حكم «طالبان»، واستوردت نخبة جديدة حديثة فرضتها على المجتمع الأفغاني، وانتهت بسقوطها على يد حركة «طالبان»، التي عادت مرة أخرى لحكم البلاد، وانسحبت أميركا بعد 20 عاماً من السيطرة الهشة.

أمَّا في العراق فقد أسقطت القوات الأميركية نظام صدام حسين، ورأت أنها حملت معها نخبة حديثة ستجلب الديمقراطية للمنطقة، وفق تصور وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس. لكن النخبة التي جاءت مع القوات الأميركية اختفت، وشهد العراق هيمنةً إيرانية وتدخلاً في شؤونه فاقَ تأثير الولايات المتحدة التي صنعتِ التغيير هناك، وعرفتِ البلادُ سنواتٍ طويلة من الفوضى والعنف والإرهاب، سقط فيها مئاتُ الآلاف من الضحايا، حتى تعافت مؤسسات الدولة مؤخراً واشتد عودُها، وبدأت في حصر سلاح التنظيمات المسلحة في يدها، وتقليص دور الميليشيات التابعة لإيران.

والحقيقة أن فشلَ إسقاط النظم القائمة بالقوة وتصنيع نخبة بديلة، كان حاضراً في ذهن الإدارة الأميركية وهي تعلن الحرب على إيران، ولذا لم تسعَ لتنفيذ هذا الخيار أو لم تستطع، رغم تحريض الحكومة الإسرائيلية عليه، لأنها تعلم من تجاربها السابقة في أفغانستان والعراق حجم الأخطار التي يمكن أن تصيبَ المنطقة من إرهاب وفوضى وخراب شامل في حال سعت لتكرار هذا الخيار.

والحقيقة أن التوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، ثم بدء مفاوضات مباشرة بين الجانبين في جنيف بحضور وزير الخارجية الإيراني ونائب الرئيس الأميركي، يقول إن من يقود المفاوضات هي النخبة نفسها التي خاضت الحرب، فلم تهندس أميركا نخبة جديدة تدعي تمثيل الشعب الإيراني من خارج الحدود، كما فعلت في تجارب سابقة وفشلت، ولم تستطع أن تكرر ما جرى في غزة بأن يتحدث الوسطاء طول الوقت باسم إيران، مثلما فعلوا مع حركة «حماس» حين وقَّع تقريباً الجميع على خطة ترمب في شرم الشيخ ما عدا حركة «حماس» المسؤولة عن اندلاع حرب غزة بعملية 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ومع ذلك وقعت السلطة الفلسطينية على الخطة نيابة عنها أو بدلاً منها. وظلت «حماس»؛ «مغروسة» في تفاصيل غزة من نزع سلاحها وانسحاب إسرائيل، وإعادة الإعمار وإدخال المواد الغذائية والمساعدات الطبية.

وعلى العكس من ذلك، كانت مذكرة التفاهم، التي وقعتها أميركا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية (وليس فقط إيران) في اعتراف صريح بالنظام القائم، وتأكيد ترمب أنه لم يكن يعنيه تغيير النظام، وأصبحت مهمة المرشد الإيراني وأركان حكمه تنفيذ هذا الاتفاق، والدخول في مفاوضات فنية صعبة مع الجانب الأميركي في ظل تربص تل أبيب بالاتفاق.

إن النخبة الإيرانية التي حاربت هي التي تفاوض، وهي المنوط بها تنفيذ الاتفاق، وليس نخبة فرضتها أميركا من خارج الحدود، كما حدث في تجارب فشل سابقة، وهو سيعني أن هذه النخبة لن تُواجه من قِبل قوى النظام السابق (لأنها هي النظام السابق)، باعتبارها فرضت من الخارج كما حدث في العراق، عقب سقوط نظام حسين، أو في أفغانستان على يد حركة «طالبان»، إنما هي نتاج الواقع الإيراني، ومعارضوها أيضاً هم نتاج هذا الواقع.

معادلة النخبة المصنعة في الخارج التي تخلق طيفاً واسعاً من المعارضين في الداخل، لن تكون موجودة في إيران، لأن المعارضين والمؤيدين للنظام هم نتاج الواقع الذي أفرزته الثورة الإيرانية منذ نحو 47 عاماً، فهم إما جزء من منظومة المرشد التي تحكم البلاد منذ نجاح الثورة الإيرانية بأدواتها في الداخل وتدخلاتها في الخارج، وهم أيضاً المعارضون الإصلاحيون الذين فجروا ما سمي «الثورة الخضراء» في 2009، ودعموا أيضاً الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي الذي أجهضت منظومة المرشد مشاريعَه الإصلاحية، وهناك المحتجون والمعارضون للنظام الذين استمروا في التظاهر منذ مقتل الشابة مهسا أميني في 2022، وحتى اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

أهمُّ ما أفرزته مذكرة التفاهم التي تتنظر اتفاقاً بعد 60 يوماً، أنَّ من وقَّع عليها وسينفذها هي النخبة نفسها في الداخل الإيراني، التي خاضت الحربَ وحكمت البلادَ عبر ثورة شعبية، وأن من يعارضها هم أيضاً المعترضون على نظامها وحكمها وليس من فرضتهم أميركا، وهو ما قد يعني أن مشهد ما بعد الاتفاق ربما يقدم جديداً لم تقدمه الحرب.