الناس والأسماء والسياسة
لا جديد تحت الشمس، يجلس الكاتب السياسي كل صباح أمام سيل الأخبار، فيجد العالم يعيد نفسه بإصرار يبعث على الدهشة والملل، حرب تبدأ هنا، وأخرى تنتهي هناك، ثم تعود الأولى بثوب جديد، مضيق يغلق فتختنق التجارة العالمية، ثم يفتح قليلاً حتى يلتقط العالم أنفاسه، قبل أن يعود الاختناق من جديد، دولة تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة، ثم يعتاد الناس المشهد حتى يصبح الموت خبراً عادياً.
أوروبا التي أقسمت بعد الحرب العالمية الثانية ألا ترى حرباً أخرى على أرضها، وجدت نفسها أمام حرب روسيا وأوكرانيا، ومضيق هرمز يذكر العالم بأن سفينة واحدة قد تربك الاقتصاد العالمي، أكثر مما تفعل عشرات المؤتمرات الدولية، والسودان تحول إلى ميدان رماية تتقاطع فيه حسابات الداخل والخارج.
كل هذا صار مألوفاً، لكن بين ركام الأخبار يظهر أحياناً خبر صغير، شارد، لا يغير خريطة العالم، لكنه قد يفسرها، خبر يجعلك تهتف كما هتف أرخميدس: وجدتها.
الخبر يقول إن البريطانيين، طوال عامين كاملين، لم يسموا مولوداً واحداً باسم «كير»، وهو اسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي انتهى به الأمر إلى الاستقالة بعد سلسلة من الأزمات السياسية.
يا لها من عقوبة، ليست مظاهرة غاضبة، ولا حملة إعلامية، ولا هتافات في الشوارع، وإنما شطب للاسم من شهادة الميلاد، وكأن الشعب قال لرئيس وزرائه: قد نتعايش معك، لكن أبناءنا لن يحملوا اسمك. وهنا يصبح دفتر المواليد صندوق اقتراع آخر، أكثر قسوة، لأن نتائجه تبقى جيلاً بعد جيل.
الطريف أن بريطانيا عرفت زمناً مختلفاً، كان الناس يتسابقون إلى إطلاق أسماء قادة سياسيين محبوبين على أبنائهم. ولكن مع ستارمر بدا وكأن ماكينة الأسماء توقفت فجأة ودخل اسمه الحجر الصحي. الأسماء ليست مجرد حروف، وإنما استفتاء صامت على المكانة في وجدان الناس.
إن ما حدث في لندن عاصمة الضباب ليس بجديد على التاريخ، فقد فعلته شعوب كثيرة في لحظات الغضب، وعلى سبيل المثال عانت السياسة من قائمة طويلة لأسماء من طراز هتلر الألماني، وستالين السوفياتي، وفرانكو الإسباني، وغيرهم، من الذين تركوا بصمات عصية على التجاوز أو القفز على نتائجها الكارثية، في حين أن هناك أسماء خلدتها دفاتر المواليد مثل العلماء إسحاق نيوتن، وفليمنغ وغاليليو، فالشعوب دائماً تبتكر الحيل لتعبر عن مواقفها الذكية من دون استدعاء الفوضى والانهيارات.
إذاً باتت لمواقف الشعوب أشكال أخرى، ولعل قصة كير ستارمر تحمل ذلك المعنى القاسي الذي جسدته الحالة الغربية في التعبير عن نفسها، فهي حالة تؤمن بتخليد الأسماء كلما جاء جيل جديد، وقد حدث مع اسم فيكتوريا تلك الملكة البريطانية الشهيرة التي تجدد إقامتها على أبواب بريطانيا.
حين كانت مارلين مونرو تحتل خيال الأميركيين، خرج آلاف الأطفال يحملون اسمها، رغم أن مارلين مونرو لم يكن اسمها الحقيقي، لكنه كان اسمها الفني الذي انتصر على اسمها الأصلي، وحين صعد نجوم السينما والغناء، امتلأت سجلات المواليد بأسمائهم، لأن الناس أرادوا أن يورثوا أبناءهم شيئاً من البريق.
وفي السياسة يحدث الأمر نفسه، ولكن في الاتجاهين. ويقال إن اسم ريتشارد، في أسرة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، ارتبط بالإعجاب بالملك ريتشارد قلب الأسد، أما والد لاعب الكرة الشهير كريستيانو رونالدو، فلم يختر اسم «رونالدو» من فراغ، لكن يقال إنه استلهمه من اسم الرئيس الأميركي رونالد ريغان، الذي كان ممثلاً قبل أن يدخل البيت الأبيض. هكذا تتداخل السياسة بالرياضة، والتاريخ بالأحلام، داخل شهادة ميلاد طفل لا يدري شيئاً عن كل ذلك.
لكن السياسة قادرة أيضاً على تحويل الاسم إلى عبء، فكم من أسماء ازدهرت مع صعود أصحابها، ثم اختفت بعد أن التصقت بالحروب، أو الفضائح، أو الاستبداد، أسماء كانت في يوم من الأيام تفتح الأبواب، ثم أصبحت تفتح ملفات التحقيق، وأخرى تحولت إلى لعنة، يتجنبها الآباء كما يتجنبون الأمراض الوراثية.
وفي عالمنا العربي أمثلة أكثر مما يحتمله مقال واحد، لكن النبش في دفاتر الأسماء قد يوقظ معارك لا حاجة إليها، فالتاريخ يحتفظ بقائمته الطويلة، والناس يحتفظون بذاكرة أعمق.
فالسياسي قد يخسر منصبه ويعود إليه، وقد يخسر حزبه ثم يؤسس حزباً جديداً، وقد يخسر انتخابات ثم يفوز في التي تليها، أما إذا خسر اسمه، فقد خسر معركة لا تعلن نتائجها لجان الفرز، ولا مراكز استطلاع الرأي، وإنما تعلنها غرف الولادة.