أخر الأخبار
الانحناء أمام العاصفة
الانحناء أمام العاصفة

يوم السبت قبل الماضي، وبينما حرائق الصيف والحروب تلتهب في بقاع كثيرة من العالم، أخمد رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي حريقاً طلابياً بإجباره وزير التعليم في حكومته، دارمندرا برادان، على الاستقالة. تلك الاستقالة كانت الأولى في تاريخه السلطوي منذ أن جاء إلى الحكم في عام 2014. الخطوة التنازلية فاجأت وأربكت الكثيرين.

أغلبُ المعلقين والمراقبين، في الهند وخارجها، عدّوا تنازل مودي للطلاب المحتجين علامة على ضعف قبضته على السلطة، وبعضهم عدّه هزيمة. الرأي لا يخلو من صحة، وفي الوقت ذاته قد يبدو للبعض، وأنا منهم، أنه متسرّع قليلاً ويتجاهل عمداً حقائق السياسة في بلد مثل الهند. الإحصاءات الرسمية المنشورة في وسائل الإعلام الهندية والدولية تؤكد أن نسبة 60 في المائة من إجمالي العاطلين عن العمل في الهند هم من الطلاب الخريجين من الجامعات!

احتجاجات الطلاب في الهند استمرت نحو سبعة أسابيع، منذ مطلع يونيو (حزيران) وحتى استقالة الوزير في 25 يوليو (تموز). وسائل الإعلام البريطانية في تقاريرها تؤكد أنها استمرت 36 يوماً فقط. خلالها امتدت نيرانها إلى العديد من المدن الكبرى، واستقطبت إليها الأحزاب المعارضة والعاطلين عن العمل. ووقعت مواجهات عنيفة بين قوات الشرطة والمتظاهرين، واعتُقلت أعداد منهم. الشرارة التي سبّبت حريق الغضب الطلابي تمثّلت في إلغاء المسؤولين في وزارة التعليم الهندية امتحانات القبول للكليات الطبية (NEET-UG) بعد تسرّب أسئلتها.

أكثر من مليوني طالب وطالبة تقدموا إلى تلك الامتحانات يتنافسون على نحو 130 ألف مقعد، وأُجبروا على إعادتها. التقارير الإعلامية ذكرت أن أكثر من عشرة طلاب أقدموا على الانتحار نتيجة لذلك، وهو ما هيّأ ظروفاً مواتية أمام الطلاب للخروج إلى الشوارع، تحت راية حركة شبابية ساخرة تحمل اسم «حزب الصراصير» (Cockroach Janta Party)، أسسها شاب هندي يدرس في أميركا اسمه أبهيجيت ديبكي، ترك دراسته في بوسطن وعاد ليقود عملية الاحتجاج والمطالبة باستقالة وزير التعليم، وإصلاح النظام التعليمي، وتوفير فرص عمل للخريجين العاطلين.

مساء السبت قبل الماضي، تناقلت وسائل الإعلام الدولية خبر استقالة وزير التعليم. وعُدّت الاستقالة من قِبل المعلقين والمحللين في الهند وخارجها تنازلاً سياسياً من قِبل رئيس حكومة لم يسبق له الخضوع لأي ابتزاز سياسي.

رئيس الحكومة مودي لم يكتفِ بإجبار وزير التعليم على الاستقالة، بل تعهّد باعتقال ومحاكمة المسؤولين عن تسريب الأسئلة وإنزال أشد العقاب بهم، كما قبل بتنفيذ شروط الطلاب المحتجين الأخرى. أغلب المعلقين عدّوا ذلك التنازل هزيمة سياسية لرئيس الحكومة الهندية ولحزبه. الأمر الذي يدعو، في رأيي، إلى إعادة النظر في تعريف معنى الهزيمة السياسية. تنازل رئيس الحكومة الهندية مودي للطلاب ليس هزيمة سياسية بالمعنى المتعارف عليه لحسابات عدة، أبرزها أن الطلاب في الهند يشكلون قاعدة انتخابية مهمة لحزب رئيس الحكومة «بهاراتيا جاناتا» الحاكم. وبالتالي، تتطلّب الحكمة وضبط الدفاتر عدم التفريط في رأسمال انتخابي كبير، بل تبني المراضاة واحتواء الغضب بتقديم تنازل. في هذا السياق من المهم التذكير بما حدث في بنغلاديش، البلد الجار للهند، منذ عامين، حين قاد الطلاب مظاهرات احتجاج ضد النظام وتمكنوا من إسقاطه. رئيسة الحكومة البنغلاديشية السابقة الشيخة حسينة هربت على وجه السرعة طيراناً إلى الهند، حيث وفّر لها رئيس الحكومة مودي الملجأ الآمن. فهل كان ممكناً أن يتجاهل مودي تلك الثورة الطلابية وما أفضت إليه من نتائج في بنغلاديش، ولا يقبل بإقالة وزير في حكومته وتعويضه بآخر؟

قد يقول قائل إن الثورة الطلابية في بنغلاديش لم تكن سوى قشّة أخيرة قصمت ظهر النظام، وإن الفساد والقمع والسنوات الطويلة في الحكم كانت المحرك الأساسي للثورة ضده وإسقاطه. وهو رأي لا أخالفه، لكن الطلقة القاتلة على النظام في بنغلاديش جاءت من المظاهرات الطلابية. ثم لماذا نتناسى الانتفاضات الطلابية في الآونة الأخيرة في نيبال وإندونيسيا وكينيا وصربيا؟

الانحناء المؤقت أمام عاصفة سياسية لم ولن يكون دليلاً على ضعف، بل هو فارق جوهري بين سياسي تأخذه العزة بالإثم فتطير به العاصفة، وسياسي حصيف يملك من المرونة ما يجعله يخسر مضطراً معركة جانبية لقاء كسب حرب.

المأخذ الوحيد على تنازل ناريندرا مودي ربما في تسجيله سابقة من المحتمل جداً أن تُفضي إلى تشجيع حركات احتجاجية أخرى بمطالب مختلفة، وقد تقود في حال رفضها إلى اندلاع أعمال عنف، مما يضطر رئيس الحكومة إلى مواجهتها بعنف مماثل. اللجوء إلى استخدام العنف ليس أمراً استثنائياً، بل تلجأ إليه حكومات كثيرة. المشكلة أن العنف، كما تؤكد تجارب العديد من الحكومات، لم ولن يكون حلاً لمشكلات سياسية واقتصادية صعبة، والأقرب إلى الواقع أنه يزيدها تفاقماً.