أخر الأخبار
المغرب... امرأة على رأس الحكومة
المغرب... امرأة على رأس الحكومة

يشكّل تعيين امرأة على رأس الحكومة المغربية لحظةً سياسيةً وتاريخيةً ذات دلالة خاصة. فهو يفتح صفحةً جديدةً في مسار مشاركة المرأة في قيادة الشأن العام، ويبعث برسالة قوية إلى النساء والشباب، في المغرب وخارجه. لكنَّ قيمةَ هذا التعيين لن تُقاس برمزيته وحدَها، بل بما ستتمكّن الحكومةُ من تحقيقه في حياة المواطنين.

إنَّ التحديَ الأساس أمام رئيسة الحكومة وفريقِها هو بناء حكومةٍ قوية ومنسجمة، محدودةِ العدد وقادرة على اتخاذ القرار. حكومة تجمع بين الكفاءة والخبرة السياسية، وتضمُّ شخصياتٍ تعرف كيف تُصغي إلى المجتمع وتتحاور مع المؤسسات وتتحمَّل مسؤولية الاختيارات. فالمرحلة تحتاج إلى سياسيين يمتلكونَ الرؤيةَ والقدرة على التنفيذ، وإلى خبراء يضعون كفاءتهم في خدمة تلك الرؤية؛ لا إلى جهاز تقني منفصلٍ عن نبض المواطنين وانتظاراتهم.

أوَّلُ الملفات التي ينبغي أن تحتلَّ صدارةَ الأولويات هو ملفُّ الشباب. إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة خارج العمل والتعليم والتكوين. وهذه ليست مجردَ أرقام في تقرير؛ إنَّها ملايين المسارات التي لم تجد بعد طريقها إلى المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. كما أنَّ وراء كلّ شاب أسرة تأمل أن تراه يتعلّم أو يعمل أو يبني مستقبله.

لذلك، لا يكفي الإعلان عن برامج عامة. ينبغي أولاً معرفة هؤلاء الشباب: أين يوجدون؟ ما أوضاعهم؟ وكيف يتوزَّعون بين المدن والقرى والجهات؟ تختلف الأسباب من منطقة إلى أخرى، ومن شاب إلى آخر. بعضهم يحتاج إلى تكوين مهني يتَّصل باحتياجات سوق العمل، وبعضهم إلى مواكبة للولوج إلى الشغل، فيما يحتاج آخرون إلى مبادرات ميدانية تعيد ربطهم بالمجتمع وبفرص المشاركة. ويتطلَّب ذلك عملاً قريباً من الناس، تشارك فيه الجماعات المحلية ومؤسسات التكوين والفاعلون الاقتصاديون والجمعيات.

وإذا نجحتِ الحكومة، خلال السنوات المقبلة، في تحديد هذه الفئات وبناء مسارات واقعية للتكوين والتشغيل وتحسين قابلية التوظيف، فسيكون أثرُ ذلك ملموساً في الأسر والمجتمع. المطلوب أن يتحوَّل كلُّ شاب من فئة غير مرئية في السياسات العامة إلى شخص معروف الاحتياجات، وله فرصة واضحة ومسار يمكن متابعته.

أمَّا الملف الثاني فهو غلاء المعيشة. لقد اتُّخذت إجراءات للتخفيف من بعض الأعباء، ومنها دعم قطاعات مثل النقل، لكنها لم تنعكس بما يكفي على أسعار المواد التي تستهلكها الأسر يومياً. ويظلُّ الغذاء واللحوم والفواكه والخضر في قلب هذا القلق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجة الخلل في سلاسل التوزيع، والحد من تعدد الوسطاء حين يؤدي ذلك إلى رفع الأسعار من دون فائدة موازية للمنتج أو للمستهلك.

يمكن التفكير في أدوات توزيع تشتري مباشرة من الفلاحين وتصل بالمنتجات إلى تجار التقسيط والأسواق الكبرى، بما يعزز المنافسةَ ويقلّص تكلفة الوساطة. ولا يعني ذلك تأميم التوزيع أو إلغاء دور القطاع الخاص، بل تدخلاً محدوداً وموجهاً حين تقتضي الضرورة، في انتظار إصلاح أوسع لمنظومة الإنتاج والتخزين والوساطة والتسويق. والغاية هي حماية القدرة الشرائية مع ضمان دخل منصف للمنتجين.

ويأتي بعد ذلك ملف التفاوتات المجالية، الذي لا يمكن أن يبقى وعداً مؤجلاً. تحتاج المناطق القروية والجماعات المعزولة إلى خطة وطنية واسعة بحجم مشروع مارشال، تضمن الولوج إلى الماء والكهرباء، وتفك العزلة عبر الطرق والنقل المدرسي، وتقرب المدرسة والمركز الصحي والخدمات الأساسية من السكان. فالمساواة في المواطنة لا تكتمل إذا ظلت فرص التعليم والعلاج والعمل رهينة بمكان الإقامة.

هذه الملفات مترابطة. فالشاب الذي لا يجد تكويناً أو عملاً، والأسرة التي يثقل كاهلها الغلاء، وسكان المناطق البعيدة عن الخدمات، جميعهم ينتظرون من الحكومة نتائج يلمسونها في حياتهم اليومية. وإذا استطاعت الحكومة أن تحرز تقدماً حقيقياً في هذه الأولويات، فستسهم في استعادة الثقة وتخفيف الإحساس بالابتعاد عن السياسة.

لقد فتح تعيين امرأة على رأس الحكومة باباً للأمل. أمَّا التحدي الآن فهو أن يتحول هذا الأمل إلى عمل منظم، وقرارات قابلة للتنفيذ، ونتائج يشعر بها المواطنون. بذلك فقط يصبح التعيين التاريخي بدايةً لتغيير أوسع.