أخر الأخبار
فردوس الآلات
فردوس الآلات

حذر الملك البريطاني تشارلز الثالث منذ أسابيع في اسكوتلندا من خطر داهم على البشر، وطالب بإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية، في وقت يتحدث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «الذكاء الخارق».

هذا الخطر الداهم جعل بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر نفسه، يطلق من فرنسا تعبيراً طريفاً وجديداً عن «فردوس الآلات»، والذي قد يزهق أرواح البشر، سواء كان الذكاء الخارق أم الأسلحة النووية.

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد دعا إلى تعاون دولي لتنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي، ومنع مجموعة ضيقة من الشركات والقوى الكبرى من السيطرة عليه، وقال بوضوح إن العالم لا ينبغي أن يترك مصيره في هذا المجال للولايات المتحدة والصين وعدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين.

بينما رمى السيناتور الأميركي بيرني ساندرز الكرة أبعد، وقال إن الخطر المحتمل للذكاء الاصطناعي قد يكون أكبر من خطر الأسلحة النووية، وحذر من الوصول إلى مرحلة قد يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أذكى من البشر، وقادراً على الإفلات من السيطرة، وقد تكون العواقب كارثية.

رؤية ساندرز لا تتوقف عند خطر الحروب أو الجماعات الشاردة التي قد تستخدمه في لحظة طيش، وإنما تحدث أيضاً عن تأثيره الاجتماعي الكارثي، من حيث إلغاء الوظائف، قد يتسبب في فوضى اجتماعية واقتصادية عالمية، فضلاً عن استخدامه في صناعة فيروسات غير موجودة، قد تستخدم في محو عرقيات وجنسيات في جريمة إبادة جماعية غير مقصودة.

إيلون ماسك ورفاقه من مطلقي المارد أنفسهم يعترفون بضرورة الإبطاء، فالأمر خرج عن السيطرة؛ ففي حادثة طريفة ومخيفة في الوقت نفسه، اخترق أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ«أوبن إيه آي» موقعاً حكومياً أسترالياً، في حادثة فتحت الباب أمام سؤال خطير عن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على تجاوز الحدود التي يضعها لها البشر.

وقع الاختراق في يونيو الماضي، ولم تبلغ الشركة الحكومة الأسترالية به إلا في سبتمبر، بعد أن اكتشفت أن أحد وكلاء الذكاء الاصطناعي وصل، بصورة غير مصرّح بها، إلى البنية الخلفية لبوابة إحصاءات صحية تابعة لخدمات أستراليا.

البوابة كانت تتضمن بيانات إحصائية عامة وغير حساسة، ولم يثبت حتى الآن الوصول إلى بيانات صحية شخصية، لكن الحكومة الأسترالية تخوفت، وفتحت تحقيقاً رسمياً في الحادثة.

فتحت هذه الحادثة الباب على مصراعيه، فأوروبا مهددة بفقدان السيادة الرقمية، والتأثير في الاقتصاد، فضلاً عن الحرب السيبرانية في ظل الصراع الروسي الأوكراني، واستنزاف القدرات السياسية والعسكرية للقارة العجوز في صراع لا نهاية له، وبات الخوف يعلو الرؤوس، وكأنه ضباب كثيف يغرق مستقبل أوروبا في ظلام دامس.

أما الخطر الأكبر فيكمن في التنافس الأميركي الصيني الشرس في هذا المجال، الذي يبدو أنه من الصعب السيطرة عليه، ومن ثم فقدان العالم أو حرمانه من فوائد الثورة الرقمية، واحتكارها لدى طرفين يتنافسان في مجال علمي غير مسبوق.

ومن يضمن ألا يقود الذكاء الاصطناعي حرباً من تلقاء نفسه؟ إن ما كان خيالاً علمياً في الروايات والسينما صار حقيقة ساطعة، وتفوق على خيال كتاب وأدباء كانوا يتسلون أو يسلون القراء.

ماذا لو كانت كاتبة الألغاز والجريمة البريطانية أغاثا كريستي تعيش في هذا العصر؟ ماذا ستكتب؟ أتكتب عن اقتحام روبوت بيوت الناس في ريف إنجليزي يقع بعيداً عن المدينة ذات مساء، وهو يختطف أبناءهم دون أن يروه مثلاً؟

وقعت ثورة الذكاء الخارق بالفعل، وهي ثورة كاملة تضاف إلى الثورات الصناعية السابقة، وهي بمثابة طوفان نوح جديد، من يستقل سفينته سوف ينجو، لكن طوفان نوح انتهى مع جفاف الماء، بينما هذا الطوفان يتطور دون توقف، ليس بأيدي قلة صغيرة فقط كما حذر ماكرون، وإنما قد تتطور أنظمته بطرق يصعب على البشر توقعها أو السيطرة عليها، وقد ينفجر في حرب لا تبقي ولا تذر.

بالطبع، ماكرون يشير، من طرف خفي سياسياً، إلى أنه يجب ألا تحتكره أميركا والصين وحدهما في ظل التنافس الشرس، ولكنه يخشى أيضاً أن يتحول الذكاء الخارق إلى سلاح في أيدي ميليشيات، فتستخدمه ضد الشعوب والمجتمعات والدول. وماذا لو اختلط مع أسلحة نووية تقع بين أيدي هذه الميليشيات؟

طوفان التحذيرات من هذا الضيف العالمي الجديد لا يتوقف، ولكن التحذير الذي يجب أن نعيه، نحن أصحاب الإقليم العربي، الذين يستهلكونه دون أن ينتجوه، أن نسارع بتحصين أنفسنا من خلال إنشاء إدارة علمية متخصصة في جامعة الدول العربية، وأن تقوم كل دولة عربية على حدة بتحصين عالمها الرقمي بصرامة.

إن المستقبل يحمل رياحاً عاتية، ومن لا يسيطر على فضائه الرقمي قد تعبث ميليشيا صغيرة بأمنه القومي، وما أكثر الميليشيات في عالمنا العربي الجريح.