أخر الأخبار
هل سيتم وقف التنسيق الامني ؟
هل سيتم وقف التنسيق الامني ؟

بعد كل مره يحدث فيها تصعيد في المواجهه المتواصله بين الفلسطينيين و الاحتلال الاسرائيلي، كما حدث بعد سقوط الشهيد زياد ابو عين ، يعود النقاش على المستويين الرسمي و الشعبي حول ضرورة وقف التنسيق الامني مع اسرائيل. و كما يحدث في كل مره منذ تأسيس السلطة قبل ما يزيد عن عشرين عام، و بعد ان يتم تفريغ الشحنة العاطفية نتيجة هذا الحدث او ذاك ، و بعد ان تطلق التصريحات الناريه من قبل بعض قيادات السلطة و قيادات الفصائل و التي تتناغم مع الموقف الشعبي الرافض لاستمرار التنسيق الامني في ظل استمرار الاستيطان و اجراءات الاحتلال الاخرى. تصريحات و ان كانت تعبر عن المواقف الحقيقية لبعض هذه القيادات ، على الاقل من حيث النتيجة هي فقط للاستهلاك المحلي ليس اكثر.

ما حدث بعد استشهاد زياد ابو عين لم يخرج عن هذا السياق، و من يتابع تصريحات القيادات الفلسطينية خلال الايام الاخيرة وحجم التناقض في هذه التصريحات حول التنسيق الامني و طبيعة الخطوات التي ستتخذها السلطة يصل الى استنتاج ان ما يقال شيء و ما يحدث على ارض الواقع شيء اخر.
هكذا على سبيل المثال، اعلن عضو اللجنه المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب و بشكل صريح وواضح ان السلطة قررت وقف كافة اشكال التنسيق مع اسرائيل، بما في ذلك التنسيق الامني، وقال ان هذا الموضوع اصبح من خلفنا. 
اعضاء آخرين من مركزية فتح كانوا اكثر حذرا من الرجوب و تحدثوا بشكل غير واضح و احيانا غير مفهوم مستخدمين عبارات فضفاضة حول هذا الامر. الوحيد الذي رفض الحديث ولم ينطق بكلمة واحدة حول هذا الامر هو حسين الشيخ رئيس هيئة الشؤون المدنية الذي يشكل احدى القنوات الاساسية في ايصال الرسائل الحقيقية للاسرائيليين. 
الشيخ على ما يبدو كان يعرف ان زميله الرجوب ينطق عن الهوى او قال كلاما بدون رصيد، تماما كما نقل عن امين سر المجلس الثوري عندما قال ان القيادة قد تقرر حل السلطة و الغاء اتفاقات اوسلو و بعد ساعات اضطر للتوضيح بأن ما قصده هو ان قرار وقف التنسيق الامني يعني حل السلطة و الغاء اوسلو.
الاسرايليون الذين يتابعون بشكل جدي و يراجعون السلطة في كل تصريح او كلمة تصدر عن قياداتها كانوا على ثقة ان ما يقال شيء و ان ما يحدث على ارض الواقع شيء اخر. 
هكذا على سبيل المثال ، و كأنه رد على ما قاله الرجوب و آخرين من ان السلطة قررت وقف التنسيق الامني، المراسل العسكري للقناة الثانية الاسرائيلية روني دانييل الذي يعتبر ناطق بأسم الجيش اكثر منه مراسل قناة تلفزيونية، قال بكل ثقة ان السلطة ابلغت الجهات المعنية ان لا جديد في موقف السلطة حول التنسيق الامني وهو متواصل. وزير الجيش الاسرائيلي كان اكثر استفزازا عندما قال انه لا يتوقع ان تتخذ السلطة قرارا بوقف التنسيق الامني لان هذا يتناقض مع مصالحهم.
و من باب التوضيح، التنسيق مع الاسرائيليين ، يجري من خلال قنوات متعددة وفقا لاتفاقات اوسلو وما نتج عنها من اتفاقات اخرى، التنسيق الامني هو فقط احدها. على الاقل هناك اربع انواع من التنسيق تنظم العلاقة مع الاسرائيليين في ظروف غاية في التعقيد. 
النوع الاول هو التنسيق المدني و الذي تشرف عليه هيئة الشؤون المدنية و التي تعمل مقابل ما يعرف بمكتب منسق المناطق من خلال مكتبي الارتباط في ايرز و بيت ايل. هذا النوع من التنسيق لا جدال فلسطيني حوله حيث هو تنسيق خدماتي يساهم في تخفيف معاناة الفلسطينيين .
النوع الثاني من التنسيق هو من خلال الارتباط العسكري ، و هو تنسيق بين الامن الوطني الفلسطيني و الجيش الاسرائيلي ، و هو يعني في الامور العسكرية التي لها علاقه بحركة القوات الفلسطينية و اماكن تواجدها ، و احيانا تنسيق لتحركات القوات الاسرائيلية بهدف منع الاحتكاك بلا ضرورة و منع سوء الفهم عند قيام الجيش بنشاطات في مناطق حساسه. هذا النوع من التنسيق اقل اشكالية لدى الفلسطينيين في ظل التعقيدات الميدانية.

النوع الثالث من التنسيق هو التنسيق في القضايا الجنائية التي تجري بين الشرطة الفلسطينية المدنية و الشرطة الاسرائيلية في القضايا الجنائية مثل المخدرات و السرقات، خاصة سرقة السيارات ، وهذا التنسيق او التعاون ايضا لا جدال حوله و لا يطلب احد بوقفه لانه يخدم المصلحة الفلسطينية او على الاقل لا يضر بها.
المشكلة الاساسية هو في النوع الرابع من التنسيق و هو التنسيق الامني ، حيث هناك قناعه فلسطينية و رأي عام فلسطيني يقول ان استمرار هذا التنسيق يصب في المصلحة الاسرائيلية و على حساب المصالح الفلسطينية و ذلك في ظل فشل العملية السياسية و توقفها بشكل نهائي حيث التنسيق الامني احد مخرجاتها و كذلك في ظل استمرار الاستيطان و عربدة المستوطنين.
على اية حال، اجتماع القيادة الذي كان مقررا ليوم الجمعه الماضي و الذي تم تأجيله ليوم الاحد من المفترض انه سيتخذ قرارات وصفت بانها " استراتيجية "، ليس فقط كرد على اغتيال ابو عين بل تحديد خارطة الطريق للخطوات الفلسطينية القادمة.
من هذه القرارات اشك ان يكون وقف التنسيق الامني احدها. و لان هذا الامر يتعارض مع الرغبة الشعبية المعارضه لهذا التنسيق ، ليس من المستبعد ان يتم استخدام عبارات غامضة لا يفهمها المواطن العادي ، على سبيل المثال ، و كما ذكر سالفا امين سر المجلس الثوري لحركة فتح " وقف الاجتماعات الامنية و ليس وقف التنسيق الامني" او اقتصار العلاقة مع الاسرائيليين على الامور الضرورية التي تخدم المصلحة الفلسطينية مع التأكيد على القرارات التي سبق ان تم الحديث عنها و من خلال استخدام عبارات تم تكرارها في الماضي مثل تصعيد المقاومه الشعبية السلمية و الذهاب الى مجلس الامن مهما كانت النتائج و كذلك الذهاب الى المؤسسات و المنظمات الدولية.
المهم على ارض الواقع ، وفي كل ما يتعلق بالتنسيق الامني او اي نوع من انواع التنسيقات الاخرى مع الاسرائيليين لن يتوقف و لن يتغير به شيء، على الاقل طالما الامر يتعلق بالسلطة.
ثلاث اسباب رئيسية على الاقل ستجعل اتخاذ قرار من السلطة بوقف التنسيق الامني او اي خطوة تصعيدية اخرى مع الاسرائيلين امر غير منطقي و هذه الاسباب على ما يبدوا هي التي تجعل المؤسسة الامنية في اسرائيل و على رأسها وزير الدفاع بكل هذه الدرجة العالية من الثقة بأن السلطة لن تتخذ قرارا بوقف التنسيق الامني في هذه المرحلة.
الاول ان السلطة تدرك ، وهذا صحيح الى حد كبير ، ان وقف التنسيق الامني بشكل فعلي، و ليس مجرد تصريحات في الاعلام ، سيقود بالضرورة الى اجراءات اسرائيلية ستؤدي بشكل تدريجي الى انهاء السلطة بشكلها و تركيبتها الحالية، مما يعني بقاء السلطة مرتبط باستمرار التنسيق الامني ، و طالما لا يوجد قرار بحل السلطة لن يكون هناك قرار بوقف التنسيق الامني مع اسرائيل. و اعتقد جازما ان لا قرار او توجه لحل السلطة الان.
ثانيا، هناك قناعة لدى الكثير من قيادات السلطة، خاصة القيادات الامنية، ان وقف التنسيق الامني سيعني احداث تغيير جوهري في الوضع الامني في الضفة الغربية، هذا الامر سيكون المستفيد الوحيد منه هي حماس و بالتالي ، وكما استفادت حماس من الوضع الامني في انهيار مؤسسات السلطة في غزة خلال الانتفاضة الثانية و الذي مهد الطريق فيما بعد الى سيطرة حماس على قطاع غزة ، فأن هذا الوضع سيتم استنساخه في الضفة الغربية. 
هذا الامر بالنسبة لمن لديه قناعة بهذا الشكل ، يجعل التنسيق الامني " مقدس" بالنسبة له. مع العلم ان مؤسسات السلطة لم تنهار في غزة فقط ، بل انهارت ايضا في الضفه، و مع ذلك، حماس سيطرت فقط على غزة و لم تسيطر على الضفه. 
الاسباب كثيرة ، ليس مكانها هنا للحديث عنها بالتفصيل ، و لكن احد الاسباب وهو ان الوضع في الضفة يختلف عن الوضع في غزة في الكثير من الجوانب، اهمها الفارق في النظرة الاسراييلية للاهمية الاستراتيجية بين غزة والضفة ، اضافة الى الاستفادة الاسرائيلية الكبيرة من استمرار حالة الانقسام الفلسطيني الذي يعتبر استمراره على ما هو عليه الان هو مصلحه اسرائيلية عليا يجب الحفاظ عليها.
واحدى وسائل الحفاظ على التنسيق هو تعزيز القناعة لدى السلطة ان التعاون الامني ليس فقط في مصلحة اسرائيل بل ايضا في مصلحة السلطة وتصريحات الدكتور الزهار قبل يومين في ذكرى انطلاقة حماس بأنه سيتم نقل تجربة " تحرير" غزة الى الضفة الغربية تعزز بالتأكيد من هذا الفهم.
السبب الثالث و المهم الذي سيستند عليه كل من يعارض وقف التنسيق الامني هو الظرف السياسي او بمعنى ادق الاولويات السياسية التي يجب ان توضع على الطاولة. هناك من سيقول ان وقف التنسيق الامني الان سيحرف المسار او سيؤثر على التوجه الفلسطيني في الحصول على قرار من مجلس الامن و التوجه الفلسطيني في الانضمام الى المنظمات الدولية، و بما ان الاولوية هي لهذا التوجه السياسي فمن غير المنطق اتخاذ خطوة استراتيجية كوقف التنسيق الامني الان.
في كل الاحوال و ان كان هناك كامل الحق للقيادة في تحديد الاولويات من حيث المهم و الاهم في كل ما يتعلق بالمواجهه مع اسرائيل ، وهذا امر جيد، لماذا لا ينطبق هذا الامر و بنفس المنطق على الشأن الفلسطيني الداخلي؟ جيد ان نكون اسودا في مواقفنا السياسية و خطواتنا تجاه الاحتلال و لكن ان نكون اسودا على بعضنا البعض فهذا لا يستوي مع ذاك.

بكلمات اكثر وضوحا ، و لضمان النجاح في المعارك الخارجية لا بد من التخلي عن ( الانا ) في كل ما يتعلق بترتيب البيت الفلسطيني الداخلي ، سواء على الصعيد الوطني او على الصعيد الداخلي لكل تنظيم، خاصة تنظيم حركة فتح.

خارطة الطريق الداخلية الفلسطينية يجب ان تسبق خارطة الطريق السياسية، و ليكن في نهج الرئيس عرفات قدوة للجميع. ابو عمار لم يحرر القدس و لم يعيد اللاجئين و مع ذلك لن يأخذ منه احد ما حصل عليه من مكانه لدى الفلسطينيين ، الاسباب كثيرة و لكن اهمها كان قانون المحبة الذي غرسه في عقول الفلسطينيين، ووحدة الجبهة الداخلية التي بدونها لم يكن على استعداد ان يخوض اي معركة حقيقية و ظهره مكشىوف، و الاهم بالنسبة له هو وحدة حركته و تماسكها و تفكيك ازماتها بصفته كبير القوم و رمز للجميع.