

اغتيال الشهيد فقهــاء: منظــــــور أمنـي استراتيجـي . "1"
بقلم : حمـــزة ديـــــب
حظيت قضية اغتيال الشهيد فقهاء بإهتمام كبير وواسع من قبل قيادة حماس السياسية وأجهزتها الأمنية، هذا الأهتمام يثير عدة تساؤلات: هل تصرفت قيادة حماس بدافع مخاوفها وضمان أمنها من تكرار هذا الإختراق الخطير مستقبلاً ؟ أم أن بقاء الحادث غامضاً يزعزع سلطتها الأمنية في قطاع غزة ؟ أم بدافع ما يمثله الشهيد فقهاء كضيف عزيز وقيمة اعتبارية في صفوف كتائبها ؟!! مهما يكن: فتحليل هذه الأسئلة وإجابتها إنما يرتبط إرتباط وثيق بمخاوف قيادة حماس ومقاصدها.
حادث الشهيد فقهاء يشير إلى فجوة أمنية كبيرة في السياسة الأمنية الوقائية...، لأن كافة الإجراءات التي اتخذت بحسب السلسلة الزمنية لاحقة لقضية الإغتيال، وماجاء في المؤتمر الصحفي أنه متابع منذ ثمانية أشهر، وتحليق مكثف لطائرات تجسس في مكان الحادث أستمر لمدة يومين حتى انتهاء الحادث بحسب إفادة السكان، يستدعي بذل جهود وقائية سابقة على صعيد إحباط نشاط الاستخبارات المعادية، ببساطة علاقة السبب بالنتيجة تُبين: أن الجهود اقتصرت على تعداد ثماني عشرة طائرة منتشرة في سماء حي تل الهوا لمدة يومين ، ولم تبذل أي جهود استخبارية لأجهزة أمن حماس لمنع الحدث قبل وقوعه، صحيح أن الأعمار بيد الله "عز وجل" لكننا نناقش المسؤولية الأمنية التي ترتبط بجهود الاستخبارات المضادة لإحباط هجمات معادية بعيدأ عن التباهي المجافي للمهنية.
الاسم الكودي (فك الشيفرة 45) لقضية اغتيال الشهيد فقهاء، مؤكداً أن الرقم (45) أضيف في نهاية تفكيك القضية، حيث فُهم من تصريح اللواء أبو نعيم، أن الرقم يرتبط بكشف (45) عميلاً، وهذا الرقم إن صح، فإنه يحمل عدة معاني ودلالات:
• فِرق البحث العملياتي و التحليل والتحقيق، وإمكانية إنضاج (45) ملفاً في قرابة خمسين يوماً يستحيل ذلك، لأن النشاط الاستخباري المضاد (مكافحة التجسس) - حتى لوتوفرت الخبرات الكافية - فإنه يحتاج لوقت وجهود مضنية، ونؤكد في ضوء الخبرة المهنية والعلمية أن أعظم الأجهزة الاستخبارية يستحيل إنضاج (45) ملفاً بواقع ملف في كل يوم ، ولو احتسبنا إنجاز (45) ملفاً من حيث الجهد الزمني، يعد هذا جهد خارق ينافي المنطق العملي، وخصوصاً أن ملفات التجسس من أكثر الملفات حساسية، لأنها تتعلق بمصير وسمعة وشرف مواطنين.
• لو فرضنا أن حالة الاستنفار القصوى وبث الخوف والرعب ألقى بظلاله على (الضحايا العملاء) وجعلتهم يُسلمون أنفسهم طواعيةً، هنا الأمر مختلف، ولكنه يضعنا أمام معضلة استخباراتية كبيرة من حيث نسبة العملاء في المجتمع الغزاوي، وأن (45) عميلاً سلموا أنفسهم، أو تم كشفهم بجهود أمنية بذلت خلال خمسين يوماً، نحن هنا نتحدث عن معدل مرعب في المجتمع الغزاوي، وهذا يحمل عدة مؤشرات:
a. ظاهرة التجسس في (غزة المحررة) باتت تأخذ منحى خطير، ما يتطلب تكثيف جهود البحث الأمني والعلمي باستخدام المناهج البحثية الملائمة لتتبع هذه الظاهرة والعوامل الإيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ذات العلاقة، للتعرف على العوامل والدوافع والأسباب واستخلاص العبر والنتائج لعلاج هذه الظاهرة الخطيرة في إطار استراتيجية أمنية شاملة .
b. الحملات الأمنية والعصا الغليظة لاجتثاث الظاهرة بعد (2007م) وحدها غير كافية، ما يتطلب إعادة النظر في آليات المكافحة، وأن ظاهرة التجسس والعملاء يتم علاجها ضمن سياسة أمنية وأنشطة تكاملية وقائية وهجومية في منظومة عمل وطنية لمكافحة التجسس.
بلا شك أن كشف ملابسات قضية اغتيال الشهيد فقهاء إنجاز أمني، لكنه ليس باِستراتيجي كما صرح السيد هنية، لأن سياق الجهود الأمنية في غزة لا تحمل أي مضامين إستراتيجية، كما أن الجهود اللاحقة لعملية الإغتيال، تأتي في إطار رد الفعل، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبارها جهود ذات مغزى إستراتيجي، لأن منظومة التفكير الإستراتيجي الأمني غير فاعلة، لعدم وجود إستراتيجية للأمن الوطني أوالقومي، وأن دائرة الجهود الاستخبارية (الدفاعية، الهجومية) غير مكتملة المحيط . وما زالت الخبرات حديثة العهد في بلورة سياسات أمنية في المجالات التي تلائم بيئة الأمن في قطاع غزة، وأهمها الأمن الإجتماعي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن الجنائي، والأمن السياسي، وعلى نحوٍ خاص أمن المقاومة .
ختاماً: إن أمن المقاومة (أسرار ومقدرات ورجال) وحماية الجبهة الداخلية لتنظيم حماس لن يتحقق بدون استراتيجية أمنية شاملة للأمن الوطني في قطاع غزة، وسياسات أمنية متمكنة لحماية الجبهة الداخلية للكل الفلسطيني، وهذا الأمر لن يتم بمعزلة عن إنهاء الانقسام وآثاره، وإزالة العوامل المسببة في ضعف وتآكل الجبهة الداخلية.
***