أخر الأخبار
الملك : لا نملك ترف الانتظار والتحديث خيارنا الوطني
الملك : لا نملك ترف الانتظار والتحديث خيارنا الوطني

عمان - الكاشف نيوز

عمان - أجرى جلالة الملك عبدالله الثاني حوارا شاملا مع صحيفة الرأي تناول جلالته خلاله أبرز قضايا الشأن المحلي، والمستجدات إقليميا ودوليا، ومواقف الأردن حيال قضايا المنطقة. وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه رئيس تحرير الصحيفة الزميل خالد الشقران، ونُشر أمس الأحد:
سؤال : شكرا جلالة الملك على هذا الحوار، واسمح لي أن أبدأ من التحديث السياسي.
لا يزال العمل الحزبي في الأردن تشوبه حالة من التفاؤل الحذر المرتبط بالماضي، والتحديث يحتاج لتحولات نوعية في طريقة عمل الأحزاب، كيف نصل إلى مرحلة ناضجة للعمل الحزبي تقنع المواطنين بجديتها؟
الملك:الجاهزية الحزبية عملية تراكمية شاقة تتطلب تقديم المصلحة العامة على المنفعة الذاتية والبرامج الواقعية على الطموحات الشخصية.
لا نريد تكرار تجارب الماضي في مجال الحياة الحزبية بل نتعلم منها الدروس لنبني نموذجنا الخاص والمنسجم مع أحكام الدستور.
وأعتقد أن الدولة بكل مؤسساتها، وكذلك حالة التوافق الوطني من خلال إقرار التشريعات وجهت رسالة جدية، لها أصل دستوري وقانوني، تدعو الجميع للمشاركة في العمل الحزبي الذي لا أقبل إعاقته أو تعطيله أو مضايقة منتسبيه من أية جهة كانت، طالما أن هذا العمل لا يخرج عن القانون.
سؤال : وماذا عن التجارب السابقة؟ ما سبب تعثرها؟
جلالة الملك: على الرغم من أننا أنجزنا حلقة مهمة من الإصلاحات السياسية في الأعوام السابقة، تتمثل في إرساء المؤسسات الدستورية وتطوير التشريعات، لم ننجح بشكل كبير في تعزيز الحياة الحزبية خلال العقدين الماضيين، لأن التشريعات لم توفر الأدوات الكافية لتحقيق ذلك، إضافة إلى أن البيئة السياسية لم تكن محفزة للأحزاب، لذلك انتقلنا إلى مفهوم التحديث الذي يتضمن تهيئة البيئة التشريعية والسياسية الضامنة لمشاركة أوسع في الحياة العامة وصنع القرار، التي تنطلق من أحزاب برامجية واقعية.
الأحزاب لا تبنى من الأعلى إلى الأسفل، ومن المهم توضيح ذلك، فدور الدولة هو تسهيل عمل الأحزاب وتوفير البيئة التي تشجع العمل الحزبي والمشاركة، ولكن ليس من مهمتها بناء الأحزاب، الذي هو دور المجتمع بأطيافه السياسية والاقتصادية، لتعكس برامجها طموحاته واحتياجاته واتجاهاته.
سؤال : إذن، ما المطلوب من مؤسسات الدولة والقوى السياسية لتبديد مخاوف الشباب من العمل الحزبي؟
جلالة الملك: بناء نموذجنا الديمقراطي، مسؤوليتنا جميعا، وعندما نتحدث عن قانون الأحزاب فهذا القانون ليس موجها للأحزاب القائمة فحسب، بل للمجتمع الأردني، فلم يعد العمل الفردي منتجا.
نريد عملا جماعيا على أساس أحزاب برامجية، تمثل الجميع وتسهم في ظهور نخب جديدة في الدولة ومؤسساتها.
ويجب أن يكون الحوار هو الأساس لإقناع الشباب بالبرامج التي تعبر عن تطلعاتهم وأفكارهم.
والأبواب مفتوحة أمام الشباب لقيادة مسيرة التحديث، لكن عليهم ألا ينجروا خلف الشعارات الشعبوية، بل أن ينخرطوا في البرامج الواقعية والقابلة للتطبيق، فالجيل الجديد يعرف ما يريد.
سؤال : وماذا عن بعض الصالونات السياسية، التي تمارس نقدا يدفع إلى السلبية ويشكك في جدية الدولة في التحديث السياسي؟
جلالة الملك: اختلاف الآراء أمر صحي وحق للجميع، لكن لا يكفي أن نستغرق في نقد الوضع الحالي، بل يتعين علينا العمل لتغييره لمواصلة تحقيق أهداف التحديث، فنحن في مرحلة انتقالية طال أمدها ولا يمكن أن نظل فيها للأبد.
وأتمنى على بعض نخبنا أن تهجر ثقافة الصالونات السياسية وتنخرط في الحياة الحزبية، فالتغيير للأفضل لن يكون إلا بأدوات الديمقراطية المعروفة، والمشاركة لن تتحقق في المرحلة المقبلة إلا بالعمل الحزبي المنظم.
ما أنجز على صعيد التحديث السياسي يشكل خطوات تاريخية ومهمة لمستقبل الأردن، فقد بنيت منظومة التحديث السياسي بأعلى درجات التوافق الوطني واليوم تأخذ مداها في التطبيق.
ببساطة، لم يأت إطلاقنا لمسارات التحديث استجابة لضغوط أو ظروف طارئة، بل تعبيرا عن إرادتنا الوطنية الأردنية في استشراف المستقبل لإنضاج التحول الديمقراطي، ونجاح التحديث السياسي لا يتحقق بإنكار الإنجاز والإساءة لمسيرتنا.
سؤال : شهد الأردن بالفترة الماضية سنوات شاقة ومليئة بالأزمات، بدءا بجائحة كورونا واليوم أمام تحد عالمي جديد يتجسد بالأزمة الأوكرانية، كيف تصدى الأردن وما يزال لهذه التحديات؟
جلالة الملك: ينبغي علينا في مثل هذه الظروف التي يشهد فيها العالم أزمة اقتصادية صعبة وغير مسبوقة من تضخم وارتفاع أسعار وكساد متوقع وأزمة في الغذاء والطاقة، أن نتكاتف ونستمع لكل الأصوات الوطنية، حتى نتمكن من عبور الأزمة وتخفيف آثارها على شعبنا.
وما يميزنا في الأردن أننا تاريخيا نتعامل مع أزمات لم تنته ، بل تتجدد وتظهر غيرها، فنحن في منطقة تلازمها الأزمات، والخبرة الأردنية وكفاءتها لطالما مكنتنا من التعامل مع التحديات، وحافظت على منعة الدولة وتقدمها في هذا الإقليم المضطرب.
سؤال : الموضوع الاقتصادي وارتفاع الأسعار، يشغلان بال المواطنين، كيف يمكن التخفيف عنهم جراء ذلك؟
جلالة الملك: هذا الموضوع في صلب اهتماماتنا اليومية، ولا بد من تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الأقل دخلا من هذه الارتفاعات غير المسبوقة لأسعار السلع عالميا، ومن آثار التضخم والتباطؤ الاقتصادي العالميين، فهذه العوامل مجتمعة ألقت بظلالها على جميع دول العالم.
وعلى الحكومة مسؤولية منع الاحتكار وضبط ما يمكن من الارتفاع غير المبرر لبعض السلع الأساسية، وتعزيز إمكانات القطاع المحلي للتصنيع الغذائي، واتخاذ كل الإجراءات التي تخفف كلف وصول السلع للمواطنين.
وفي المقابل، وجهت الحكومة للعمل على تعظيم الاستفادة من الفرص والمزايا التي يتمتع بها الأردن لتوسيع القطاعات الواعدة في الاقتصاد، خصوصا ما يتصل بالأمن الغذائي وتعزيز القطاع الزراعي وصناعات الأسمدة، والتي تعتمد على البوتاس والفوسفات، فقد أصبحت هذه من الموارد الاستراتيجية المهمة جدا في هذه المرحلة.
وعلينا الاستفادة من اتفاقياتنا مع دول العالم لفتح المزيد من الأسواق للصناعات الأردنية، وهذا يقع في صلب أهداف رؤية التحديث الاقتصادي للسنوات العشر المقبلة.
سؤال : ماذا عن التعاون الإقليمي بهذا السياق؟
جلالة الملك: التعاون الإقليمي مهم للغاية، ولا بد من الاستفادة من الفرص المتوفرة في كل دولة لتكون عنصر قوة للجميع، فللأسف، لم تعد الأزمات والصدمات شيئا استثنائيا في العالم، ولم يعد هناك بلد محصن من هذه الارتفاعات والتي رافقها أيضا ارتفاع في أسعار الطاقة.
سؤال : جلالتكم، طالما أنكم أشرتم لرؤية التحديث الاقتصادي، ما المطلوب لوضع هذه الرؤية ضمن مسار التنفيذ لتتحول لبرنامج عمل للحكومات؟
جلالة الملك: لدينا رؤية اقتصادية متكاملة للعبور إلى المستقبل، وضعت من قبل قيادات وخبراء من القطاع الخاص وبالتشاركية مع المسؤولين، ولا يجوز التهاون في تطبيقها، فأمام الحكومة مسؤولية وضع خطة تنفيذية وجدول زمني واضح لتنفيذ مخرجاتها.
وهي تمثل خريطة طريق وطنية عابرة للحكومات.
نريد لهذه الرؤية أن تنقل الأداء الحكومي من الانشغال اليومي إلى العمل الاستراتيجي، فهدفنا ألا تبدأ كل حكومة من الصفر في الجانب الاقتصادي، بل أن يتم البناء بشكل تراكمي على الإنجاز، بهدف الاستجابة لمتطلبات تأمين فرص العمل وتوسيع الاقتصاد، تحقيقا للتنمية والنمو المستدامين، واغتنام ما لدينا من فرص وميزات.
وأنا أعتقد أن أساس هذه الرؤية رأسمالنا البشري المؤهل والكفؤ، الذي يتطلب دورا حقيقيا وشراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص لتطلق العنان لهذه الكفاءات، التي لطالما ميزت الأردن ولها بصماتها الواضحة داخليا وخارجيا.
سؤال : وماذا عن متابعة التنفيذ، وتحديدا من خلال مجلس النواب؟
جلالة الملك: خطة الحكومة التنفيذية لإنجاز الرؤية يجب أن تكون متاحة للجميع، بما فيهم مجلس النواب ليباشر دوره في الرقابة، وقد أكد رئيس الوزراء التزام الحكومة الكامل بهذه الرؤية عند إطلاقها.
ولأن هذه الرؤية عابرة للحكومات، فستكون محاورها جزءا من كتب التكليف لأي حكومة.
سؤال : ورد في رؤية التحديث الاقتصادي، إنشاء آلية للمتابعة مرتبطة بالديوان الملكي الهاشمي، ما الهدف من ذلك؟
جلالة الملك: الهدف هو توفير آلية تتكامل مع وحدة متابعة الأداء الحكومي والإنجاز التابعة لرئاسة الوزراء والوحدات التنفيذية التابعة للوزارات، لمتابعة سير العمل ورصد المعيقات والتوصية باتخاذ الإجراءات بشأنها، إضافة إلى المتابعة مع القطاع الخاص لتيسير مهامه وتذليل العقبات التي تواجهه، خصوصا أن الرؤية لا تشمل القطاع العام فقط، بل هي تعبير عن شراكة بين القطاعين العام والخاص.
وهذه الآلية ستكون بمثابة أداة للتأكد من تحقيق التقدم في تنفيذ مضامين كتب التكليف والتزام الحكومات بتنفيذ محاورها، وهذا المبدأ ينطبق أيضا على متابعة التحديث السياسي والإداري.
ولطالما أشرت إلى تلازم مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، لتحديث الدولة بشكل شامل.
التجارب التي أمامنا أظهرت أنه دون قطاع عام كفؤ ورشيق، لا يمكن المضي قدما في تحقيق الطموحات، فالإدارة العامة هي العصب المركزي للدولة، ويجب أن نطور كفاءتها وإنتاجيتها ومرونتها، خدمة للمواطنين وأهداف الدولة وتطلعاتها، ومواكبة التغيرات العالمية في الإدارة وفي تقديم الخدمات العامة.
سؤال : هل دقت حادثة العقبة ناقوس الخطر لضرورة الإسراع في تحقيق إنجاز ملموس على صعيد الإصلاح الإداري؟
جلالة الملك: أتفق معك تماما، ونترحم على شهداء الواجب، فالحادثة مؤلمة بكل تفاصيلها، وقد كشفت لنا عن جوانب التقصير الإداري التي يجب معالجتها، ليس فقط بالعقبة بل في جميع مؤسسات الإدارة العامة.
ولكن يجب ألا ننسى الجهود الكبيرة التي بذلت من أجل الحد من تداعيات الحادثة، وهي جهود مقدرة وأظهرت الجاهزية العالية وسرعة الاستجابة التي كان لها دور كبير في إنقاذ الأرواح والحد من الخسائر.
مع كل أسف، تراجع الأداء الوظيفي وترهل الإدارة يعيقان التقدم ولا يليقان بسمعة مؤسساتنا العامة.
لا يمكن البقاء في دوامة التشخيص دون البدء بمعالجة جذرية تسهم في تفعيل أداء الجهاز الحكومي وتعكس تحسنا في كفاءته لتقديم أفضل الخدمات.
النقطة الجوهرية في أي تحديث إداري تكمن في إرساء وتفعيل المساءلة والمحاسبة في عمل المؤسسات وأدائها، وكف يد من لا يعمل لخدمة المواطنين والمراجعين، فالعمل العام خدمة وشرف، ويجب أن يشعر كل مواطن بأهميته وقيمته الوطنية، وأن تنفذ جميع المؤسسات دورها للمصلحة العامة بكفاءة عالية، وفي إطار القانون والأهداف الوطنية.
سؤال : وماذا عن التحقيق في هذه الحادثة؟
جلالة الملك: منذ البداية، لم نتأخر في التدخل ولا نقبل ألا يحاسب أي مقصر في هذه القضية أو في غيرها، وقد شددت على ضرورة تقديم توضيحات شفافة للرأي العام لكل ما حصل من خلال نتائج التحقيق، وتحديد الأخطاء ومحاسبة المقصرين وفق القانون.
كما تعلم، القضية اليوم منظورة أمام القضاء الذي نحترمه جميعا.
سؤال : ما الذي تطلبه من السلطات ومؤسسات الدولة للمرحلة المقبلة، خصوصا وأننا بدأنا منذ العام الماضي مشروع تحديث شامل للدولة؟
جلالة الملك: كما قلت لك سابقا، نحن أمام تحديث شامل للدولة، وعلى جميع مؤسسات الدولة وسلطاتها أن تعمل بتكامل وفق أسس الدستور.
نحن لا نملك ترف الانتظار، فالتحديث هو خيارنا الوطني في مواجهة التحديات وتعزيز منعة الدولة، لتبقى مصلحة الأردن وأهله أولا.
ولن يؤتي هذا التحديث، بكل مساراته، ثماره إلا بتعزيز سيادة القانون، المظلة التي تحمي هذه المسيرة، فسيادة القانون تعني خضوع الجميع لحكم القانون، الذي يجب أن يطبق على الجميع وأن يعمل من أجل الجميع، كما سبق وأن أشرت في مناسبات سابقة عديدة وفي أوراقي النقاشية.
سؤال : جلالة الملك، تصدر حديثكم عن الناتو العربي اهتمامات العديد من وسائل الإعلام وخضع لتحليلات متباينة، ما الذي يريده الأردن؟
جلالة الملك: تابعت هذا الموضوع واطلعت على التحليلات التي وردت حول ردي على سؤال في مقابلة صحافية، وقد كان السؤال عن مدى ملاءمة فكرة مثل هذا التحالف للمنطقة العربية.
ودعني أوضح هنا أن الأردن معني بتعزيز العمل العربي المشترك وتفعيله، خدمة لقضايانا ولمصالحنا.
مرة أخرى، هذه ثوابتنا، فالأردن لم يكن يوما، ولن يكون أبدا، إلا مع حلف أمته العربية ومصالحها وقضاياها.
تاريخيا، الأردن كان في صدارة المشاركين في مواجهة تهديدات إرهابية وأمنية استهدفت دولا عربية وشعوبها.
نحن نتحدث عن الحاجة إلى منظومة عمل دفاعي مؤسسي عربي، وهذا يتطلب تشاورا وتنسيقا وعملا طويلا مع الأشقاء، بحيث تكون المنطلقات والأهداف واضحة.
ودعني أذكّر بأن هذا الطرح جزء أساسي من المبادئ التي قامت عليها جامعة الدول العربية، ومع ذلك فإن موضوع الحلف لا يتم بحثه حاليا.
جلالة الملك: أمامنا مسؤولية تجاه أجيال الحاضر والمستقبل، ويجب أن تصب كل الجهود في هذا الاتجاه، فالأردن الجديد يعزز مبادئ الحداثة، ويبني على منجزات الماضي، بإدراك عميق لحجم الإمكانات والحاجات والفرص وضرورة الاستثمار في الموارد والعقول والمواهب.
الأردن الجديد يمضي قدما بمجتمع قوي ومنتج، ومشاركة واسعة في اتخاذ القرار، واقتصاد يعزز عناصر القوة والمنعة، وضمانة ذلك كله قضاؤنا العادل وسيادة القانون على الجميع والعمل بتشاركية وبجدية ووضوح.
شكرا جلالة الملك.
جلالة الملك: شكرا جزيلا.