أخر الأخبار
ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات
ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات

وكأنَّ العالم كانَ في انتظار أن يأتيَه رئيس أميركي اسمُه دونالد ترمب، ليدخلَ دوامة حقبة جديدة في تاريخه الطويل. وها نحن الآن نعيش الحقبة الترمبية لنكون شهودَ عيان عليها. نتابعها في وسائل الإعلام، ونتمنّى ألا يطولنا منها ما طال غيرنا من تداعياتها.

ليس من السهولة بمكان على مراقب أو مؤرخ تخيّل شكل أميركا والعالم لدى مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب البيت الأبيض بعد ثلاث سنوات من الآن، مقارنة بما حدث من تغييرات خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية. هذا طبعاً في حال امتثاله لنصوص الدستور الأميركي ولم يقم بتعديله بحيلة قانونية لتمديد وجوده في الحكم لأربع سنوات أخرى.

سواء اتفقنا مع الرئيس ترمب سياسياً أو اختلفنا، فلا أحد يجادل في حقيقة أنّه ظاهرة سياسية مميزة؛ كونه أضفى على منصب الرئيس سمة شخصية يحسده عليها كثيرون من قادة العالم، كونه الوحيد من بينهم القادر على تحقيق ما يريده، سواء بالطرق الدبلوماسية، أو بقوة السلاح، أو بالسطوة الاقتصادية.

تمكن الرئيس ترمب خلال عام واحد من محو ما يسمى «المنطقة الرمادية» في السياسة والاقتصاد. فالعالم بالنسبة له ولأنصاره يتكون من لونين فقط: أبيض أو أسود؛ أي مع أميركا أو ضدها. وبدقة أكثر: مع دونالد ترمب أو ضده.

أميركا في سياق الحقبة الترمبية تعني الرئيس دونالد ترمب. وشعار «أميركا أولاً» يفضي إلى حقيقة لا يختلف حولها عاقلان وهي: ترمب أولاً.

المقارنة بين ترمب ومن سبقه من رؤساء أميركا لا تخضع للمنطق التقليدي، لأن الرئيس ترمب ليس رئيساً تقليدياً مثلهم، ولأنه تجرأ، منذ البداية، على التحليق والتغريد خارج السرب، بل وأثبت أنه لا يخضع لقوانين الجاذبية تلك التي عملت على شدّ وكبح غيره من الرؤساء الأميركيين قبله إلى أصفاد القانون الأميركي والدولي، وإلى الصراع مع الكونغرس. أثبت الرئيس ترمب قدرته على الطيران فردياً من دون جناحين، بطيرانه من فنزويلا إلى غرينلاند في وقت قياسي، وأي محاولة جرت لإيقافه جوبهت بوعيد وتهديد بعقوبات فورية عبر فرض التعريفات الجمركية. أزمة شراء غرينلاند ومعارضة حلفائه الأوروبيين تسببت في غضبه وإطلاق تهديدات بجلدهم بسوط التعريفات الجمركية. وهذا يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن التعريفات الجمركية لا علاقة لها بالأمن الاقتصادي أو عدم الإنصاف الذي تتعرض له أميركا في تعاملاتها التجارية مع بقية الدول، أو بهدف حماية القوى العاملة الأميركية كما كان يدّعي. الرئيس ترمب أدرك ويدرك أن من يملك سوقاً بحجم السوق الأميركية، يملك الحق في وضع شروط الدخول إليها من «الباب الرئيسي» وبالثمن الذي يراه هو مناسباً. قد يكون ذلك الثمن الخضوع والإذعان لمشيئته ورغباته هو، وملّوحا عالياً بالسوط.

في سابقة أخرى غير معهودة، طالعتنا وسائل الإعلام مؤخراً بخبر تنازل المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو (الفائزة بجائزة نوبل للسلام 2025) عن جائزتها للرئيس ترمب. ورغم الابتسامات التي ظهرت بها أمام عدسات المصورين، فإن التنازل لم يكن طوعياً، بل كان سعياً لنيل رضا رئيس حانق وغاضب عليها، مما أدى به إلى التقليل من شأنها علناً وتهميشها كزعيمة معارضة للنظام الفنزويلي. الحصول على رضا الرئيس ترمب ليس سهلاً، وتبيّن كذلك أنه مكلف جداً في آن واحد. وها هو الآن يبتسم منتصراً بعد أن حظي بالجائزة التي امتُنعت عنه سابقاً؛ فبالنسبة له، العبرة دائماً بالنتائج لا بالوسائل.

لم يتوقف الأمر عند حدود السياسة الخارجية؛ بل إن البيت الأبيض نفسه شهد تغييرات بملايين الدولارات أثارت زوابع سرعان ما سكنت. ووصلت ذروة التحدي حين أعلن الرئيس ترمب حرباً شعواء على رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، متجاوزاً الموانع التي شُيدت لحماية استقلالية النظام المالي منذ تأسيسه.

في سابقة تاريخية، تمكن الرئيس ترمب من قهر الموانع مثل «تسونامي سياسي» بقفزة واحدة، وأخضع المؤسسات لسلطان قراراته التنفيذية بعيداً عن ضجيج جدال الكونغرس، لأنه لا يعترف بالحدود، سواء كانت قوانين دولية أو أعرافاً دبلوماسية. هذا الواقع سيجعل مهمة المؤرخين مستقبلاً صعبة وسهلة في آن. الصعوبة تكمن في استحالة التنبؤ بالشكل الذي سيكون عليه العالم بعد انتهاء ولايته. وسهلة لأن التعرض لسيرته بالدراسة والتحليل مغرية وسهلة الرصد من خلال الوثائق. والأهم، أن الرئيس ترمب خلق «سابقة تاريخية» لكل من سيشغل البيت الأبيض، بعد أن حول الرئيس ترمب الحدود المؤسسية من ثوابت إلى خيارات.