أخر الأخبار
1776… العام الذي وُلد فيه العالم الحديث مرتين
1776… العام الذي وُلد فيه العالم الحديث مرتين

من 9 مارس (آذار) إلى 4 يوليو (تموز) مسافة زمنية قصيرة لا تتجاوز خمسة أشهر على الأكثر، لكنها فصلت بين حدثين ثوريين يؤرخان لمولد العالم الحديث مرتين. في 9 مارس 1776 أصدر آدم سميث كتابه العُمدة «ثروة الأمم». وفي 4 يوليو من العام نفسه صدر إعلان استقلال المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة في أميركا، والذي اعتُمد في مدينة فيلادلفيا. فهل كانت محض مصادفة، أم إنها كانت تجسيداً للحظة فارقة في التاريخ الإنساني انفجرت فيها أفكار الحرية دفعة واحدة، بشقّيها السياسي، والاقتصادي؟

مائتان وخمسون عاماً مرت على المناسبتين. أغلب الاهتمام الإعلامي الدولي انصبّ على ذكرى إعلان الاستقلال الأميركي، متجاهلاً الاحتفاء بصدور الكتاب الاقتصادي الذي دحر الفكر التجاري (المركنتلي)، وفتح الأبواب على مصاريعها أمام زمن جديد، وعالم مختلف. اللافت للاهتمام أن الإمبراطورية البريطانية كانت في المركز من الحدثين. الاثنان كانا موجهين ضدها، سياسياً، واقتصادياً، في وقت واحد. إعلان الاستقلال الأميركي فكّ الحصان من العربة الإمبراطورية البريطانية، وربطه بعربة من نوع مختلف –جمهورية-، وانطلق بالمستعمرة البريطانية السابقة في طريق غير مطروقة من قبل.

يقول المؤرخون إن عالم الاقتصاد الاسكوتلندي آدم سميث، آنذاك، لم يكن يكتب كتابه بمعزل عن أميركا، بل خصص أجزاء كاملة من «ثروة الأمم» لنقد السياسة الاستعمارية البريطانية هناك. وجادل علناً بأن بريطانيا ترهق نفسها مالياً وعسكرياً لإجبار المستعمرات على تجارة احتكارية غير طبيعية، وتوقع بدقة لافتة أن المستعمرات الأميركية ستصبح قوة اقتصادية هائلة لا يمكن كبحها، بل واقترح علناً أن تُمنح أميركا استقلالها، أو تمثيلاً عادلاً في البرلمان.

آدم سميث جعل همّه الأول مهاجمة الفكر (المركنتلي) القائم على احتكار الدولة للتجارة، والموارد، والأسواق، وفرض الضرائب من دون تمثيل برلماني. ومن هنا التقى الاسكوتلندي آدم سميث والأميركي توماس جيفرسون عند مبدأ واحد: «الفردية». فنادى آدم سميث بحرية الفرد في البيع، والشراء، والإنتاج، من دون تدخل الدولة، عبر مفهوم «اليد الخفية» التي تعمل لصالح رفاهية الأمة من خلال المبدأ الذي رسّخه: «دعه يعمل، دعه يمر». وفي المقابل، حرص توماس جيفرسون في صياغته لإعلان الاستقلال الأميركي على تأكيد حق الفرد المقدس في «الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة». هذا الفاصل الزمني الوجيز (أقل من أربعة أشهر) بين الحدثين يثبت أن الفكرة وقتذاك، رغم بُعد المسافات، قد طابت في الرؤوس، والقلوب، وحان وقتها.

أطلق آدم سميث البيان (المانفستو) الاقتصادي للعالم الحديث في يوم 9 مارس، وتكفل الأميركيون بإطلاق البيان (المانفستو) السياسي يوم 4 يوليو. تاريخا ميلاد يؤرخان لمولد عالمنا الحديث، جعلا العالم، منذ ذلك الحين، يمشي على قدمين متطابقتين: الرأسمالية، والديمقراطية الليبرالية. فهل كانت المصادفة هي من يقود التاريخ، أم إن التاريخ كان يسير في اتساق مع حركة الواقع الإنساني وهو يسعى للتحرر من أصفاده، وارتياد آفاق جديدة؟

اليوم، ونحن نمر بالذكرى المئوية الثانية والنصف لهذا الإرث المزدوج تبدو الاحتفالات في أميركا منقوصة، بل الأصح مغايرة، وباعثة على القلق. إذ وصفت التقارير الإعلامية الأميركية والغربية والعربية الحدث بأنه من أكثر احتفالات الاستقلال الأميركية استقطاباً سياسياً في الذاكرة الحديثة، وبرز ذلك على نحو واضح في خطاب الرئيس دونالد ترمب الذي وصفه المعلقون بأنه مزج بين الخطاب الوطني والرسائل الحزبية، وسط تقارير أخرى تتحدث عن ولايات ديمقراطية قاطعت أو قلّصت مشاركتها في بعض الفعاليات.

فيما يخصّنا نحن كمراقبين خارجيين، يبقى من حقنا طرح الأسئلة في الاتجاهين الاقتصادي والسياسي: هل ما زالت «اليدُ الخفيّة» اقتصادياً و«الحرية الفردية» سياسياً تحكمان عالمنا اليوم؟ أم إن هناك تحديات جديدة، ممثلة في تزايد دور التخلي للدولة مجسّداً في تبنّي سياسات اقتصادية حمائية، وضعت حواجز وعراقيل أمام التجارة الدولية، وحرية المرور، والحركة، مرفوقة بتصاعد نغمة الشعبوية سياسياً، ممثلة في أحزاب وحركات تناوئ وتحارب هذا الإرث المزدوج؟

في ظل هذه الأوضاع، هل للفكر الليبرالي مستقبل في وقت يضيّق فيه المتشددون اليمينيون والشعبويون الخناق عليه من كل الجهات، بخاصة بعد تمكّنهم من الوصول إلى الحكم في عواصم غربية كانت، في وقت ما، قلاعاً حصينة لليبرالية؟