أخر الأخبار
اللامركزية في كرة القدم
اللامركزية في كرة القدم

ازدهرَ مرفأ ليفربول في القرن التاسع عشر، واعتمدت عليه المدنُ المجاورةُ مثل مانشستر التي كانت مركزاً عالميّاً لصناعة وتجارة القطن. لكن تحت وطأةِ الرسوم المفروضةِ عبر مرفأ ليفربول سعت مانشستر إلى تحسين موقعِها. نفذت مشروعَ قناة مانشستر، فصارت ميناءً بحريّاً داخليّاً. واستمر هذا التنافسُ بين ليفربول ومانشستر دون توقف. في منتصف القرن العشرين كرَّست ليفربول مكانتها عاصمةً للموسيقى الشعبية مع صعود «البيتلز». وفي نهاية القرن العشرين أعادت مانشستر صياغة صورتها كمركز مالي وإعلامي وتكنولوجي. التاريخ التنافسي بين ليفربول ومانشستر تكرَّر في غيرهما من حواضر بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وبين ولايات في أميركا.

وما نراه بأعيننا بين ليفربول ومانشستر في كرة القدم مجرد جانب من جوانب هذا التنافس. هيمن فريق ليفربول على الدوري الإنجليزي في السبعينيات والثمانينيات، لكن مع انطلاق «بريميرليغ» انتقلَ مركز الثقل إلى مانشستر، أولاً مع يونايتد ثم مع سيتي، قبل أن تستعيدَ ليفربول بعضَ الزخم مع جيل محمد صلاح.

ما نعاينُه ونحن نتابع بطولاتِ كرة القدم القوية، هو ما نخسره اقتصاديّاً دون أن ندري إن اخترنا المركزية في الإدارة بدلاً من اللامركزية. تابع الدوريات المحلية في أكثر من بلد، وكيف تتراجع الأطراف ويقل عدد المنافسين، وتختفي الأندية الجماهيرية. قارنها بـ«بريميرليغ»، وكيف يظهر أبطالٌ جدد. ليس بإضعاف الأقوياء، بل بتمكين الكياناتِ الرياضية المحلية من تولّي مسؤولية نفسها.

هذا التوجّه لا يقتصر على الرياضة. مع تراجع قبضة الإمبراطوريات الكبرى، لوحظ صعودُ الوحدات السياسية الصغيرة في أوروبا، والتنافس الذي صنعَ رخاءَها. ومع نشأة الدولة الحديثة نظّر فلاسفةُ السياسة لمفهوم يُبقي على هذه الميزة، نعرفه باسم اللامركزية. وهو يعتمدُ على ملاحظة بسيطة: لا يمكن للمركز أن يحيطَ بكل شيء علماً، ولا أن يلمَّ بالتفاصيل المحلية. كما أنَّ ترتيبَه للأولويات تحكمه طاقته التنفيذية لا طاقة المجتمع المحلي واحتياجاته وإمكاناته.

اللامركزية، سواء في كرة القدم أو الاقتصاد، تستند إلى المصلحة الذاتية الإيجابية للسكان المحليين في تحسين أوضاعهم المعيشية، وإلى رغبتهم في الفخر وسط محيطهم، وإلى درايتهم بحاجاتهم وإمكاناتهم، لخلق تنافسيَّة تكون في مصلحة الجميع.

في إنجلترا التي نرى منها عشرين فريقاً فقط في «بريميرليغ»، ما من حيّ إلا وله فريق، تشجيعُه نزهةٌ أسبوعية يتشاركها الأجدادُ والأحفاد والآباءُ والأمهات. «بريميرليغ» نفسه بدأ بتمرد على الإدارة المركزية لكرة القدم الإنجليزية. رأتِ الأندية الكبرى أنَّ النظام القائم يحرمها من إدارة حقوقها التجارية ويقيد قدرتَها على الاستثمار فأعلنت إنشاءَ بطولة مستقلة. قاوم الاتحاد الإنجليزي المشروع لكنَّه لم يستطع إيقافه. ومنذ ذلك الحين صار «بريميرليغ» سوقاً تتنافس فيه الأندية كشركات، ضمن قواعد مشتركة. لا تطالب الاتحاد المركزي بتقديم الدعم المالي، بل برفع يده والاكتفاء بتنفيذ القانون.

اللامركزية لا تعني أبداً إلغاء المركز، بل تحوله إلى مايسترو يسهل التناغم، دون أن يرسل مندوباً على رأس كل عازف. تفعل ذلك من خلال مجموعة من القواعد والنظم. يصير كل طرف «مستقلاً ضمن منظومة»، ومسؤوليات الأفعال تقع على أصغر سلطة مؤهلة للقيام بها. تلك الفلسفة الإدارية نفسها التي تحكم الشركات الكبيرة الناجحة. وإلا تكدس المكتب المركزي بتفاصيل صغيرة، معطلة، في انتظار البت فيها. وتلك وصفة للفشل والقصور في أداء المهام.

وصفة الإصلاح ليست سرّاً. لامركزية في الإدارة، وكيانات محلية مستقلة تتحمَّل مسؤولية نجاحها وفشلها. السؤال هنا: إذا كانت الفوائد معروفةً فلماذا لا نعتمد هذا الأسلوب؟ وما الذي تخشى الإدارة المركزية خسارتَه إن تخلَّت عن بعض الخيوط؟