أخر الأخبار
الحدث السياسي و«الإحالات الطائفية»
الحدث السياسي و«الإحالات الطائفية»

مع اشتداد الأزمات، واستعصاء الحدث على التبسيط، يتجه العاطفيُّون من محللين وسياسيين ومنبريين إلى اختيار الطريق الأسهل والمتمثل في «الإحالة على الطائفة».

بهذه الصيغة يتحقق للمحيل إحدى «الحسنيين» إما القبول الطائفي ومن ثم النفوذُ واكتساب الصدقية؛ بل والشعبية إن ابتغاها لأغراضٍ انتخابيَّة أو لآفاقٍ شخصية يرسمها، وإما الحسنة الثانية السهلة؛ أن يكون قد فكَّ اللغز المزعج الذي يؤرق المجاميع في منصَّاتها الشعبية على أرض الواقع، أو المنبرية في عوالم «الميديا» والتعبير والخطابة، والتي تضجُّ بضرورة البحث عن تفسير. وبالضبط هذا ما يصحُّ على التطوُّر الذي شهدناه مؤخراً مع دخول دول الإقليم في حالة تقييم شاملة بغية دَرْس مخاطر امتطاء الطائفيين للحدث السياسي، ومن ثم استعماله في الداخل.

لذلك ما استغربتُ حينما صدر كتاب «هندسة الجيوسياسة الاجتماعية: الدولة والكيانات الممتدة بين العراق وسوريا» الذي طُبع في يناير (كانون الثاني) 2026. والكتاب -حسب المقدِّمة- قراءة في التحديات الوجودية التي تواجهها الدول، والتجارب التي أحدثتها السنوات الماضية في منطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، إثر انحسار الدولة في العراق ما بعد 2003، وانتشار الإرهاب، والانقسام الطائفي، وصولاً إلى الحرب الأهلية السورية التي أفضت إلى فراغات في السلطة، ملأتها كيانات مسلحة. واضطُرَت البنى الاجتماعية التقليدية -من قبائل وعشائر- إلى اتخاذ مواقف تحالفية أو مقاومة، ما أدَّى إلى بناء طبقة جديدة من العلاقات والامتدادات، لا تزال تداعياتها تؤثر في واقع القرار السياسي؛ في ظل نقاش متصاعد حول المركزية، والكيانات الانفصالية، والحوكمة البديلة، وإحياء بُنى ما قبل الدولة. وهو ما يهدِّد فكرة الدولة الوطنية، بوصفها ضامن الاستقرار الوحيد في المنطقة، ويخدم بناء كيانات جديدة مجهولة الأجندات والمآلات.

على المستوى السوري، يرصد الباحث زين العابدين العكيدي حضور قبيلة العكيدات في المشهد السياسي السوري، وتفاعلاتها مع الدولة؛ إذ يبدأ بسرد تاريخي من مرحلة الاستقلال وميلاد الدولة الوطنية السورية، مروراً بعهد «البعث»، وصولاً إلى أحداث 2011. يتتبع تطوُّر مكانة القبيلة تحت حكم «البعث» (1970– 2024)، ثم يعالج توظيف التنظيمات الإسلاموية لصلتها بالقبيلة، وصولاً إلى إعادة التموضع القسري في مواجهة «جبهة النصرة» و«داعش».

يُبرز العكيدي أن قبائل الريف الشرقي المهمَّشة سابقاً صارت صانعةً في الساحة الأمنية؛ فقد تحوَّلت احتجاجاتها إلى أدوات عسكرة. ويشير إلى أن «مشروع الشرق الأوسط الكبير الإيراني» يحاول استغلال الجذور الاجتماعية لقبيلة العكيدات ذريعة في الضغط الإقليمي، قبل أن يرصد موقع القبيلة في ظل النظام السوري الجديد.

على مقربة من هذا المنهاج، يقدِّم الباحث رحيم حميد قراءة في البنية الثلاثية للهوية الأحوازية: القبيلة، والمذهب، والحداثة. بداية بصوغ تاريخي للهوية من خلال تاريخ الدولة المشعشعية (1436- 1724)، ثم يتناول القبيلة بوصفها «الأمة في حيِّز اللامفكَّر فيه»، مستعرضاً أنماطها الاجتماعية، من «أخلاق الفزعة» إلى «الروح الجماعية».

يعالج الباحث بعد ذلك علاقة الحداثة بالتحرير، والمرحلة الانتقالية نحو البعث القومي، وتأرجح العقلية الحداثية الأحوازية بين العقل الحديث والعقل المكبَّل. ويختم بتحليل سياسات الدولة الإيرانية تجاه محدِّدات الهوية الأحوازية، والعلاقة بين الدولة القومية والنخبة الوطنية. ويقدم تنظيراً لما توظفه القومية الأحوازية، من فرص للاستقلال، أو التطوير في فضاء الإقليم، موازناً خياراتها.

الخلاصة: أن العوامل الماديَّة الواقعيَّة التي ترتبط بتغيُّر حركة الرمال مع كل حدثٍ جديد يمكنها أن تمنحنا التوازن بغية لجم الطموح الجهنَّمي الذي هو عاطفي بالضرورة ولكنه مدمِّر، وآية ذلك تضمُّنه مجموعة من الأفكار والإرادات الاستئصالية المعززة لاحتمالات الحرب الأهلية أو التقسيم الجغرافي.