ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي
وَبَيْتُ القَصِيدِ، لأبي الطَيِّبِ المُتَنَبّي، مِنْ رَوَائِعِ شِعْرِهِ، وَأَبْيَاتِهِ الّتِي أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَى حُسْنِهَا، فَشَرَّقَت، وَغَرَّبَت، واسْتَفَاضَتْ وَانْتَشَرَتْ، وَصَارَتْ أَمْثَالًا سَائِرَةً، يَحْفَظُهَا العَامَّةُ، وَيَسْتَشْهِدُ بِهَا الخَاصَّةُ، وَيَتَأَمَّلُ حِكْمَتَهَا البَشَرُ بِطَبَقَاتِهِمِ المُتَبَايِنَةِ.
يَقُولُ شَاعِرُ الدُّنْيَا:
ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي وحَاجَتُهُ مَا فَاتَهُ وفُضُولُ العَيشِ أَشْغَالُقَالَ أَبُو الفَتْحِ عُثْمَانُ بْنُ جِنّي، فِي البَيْت:
«يَنْبَغِي أنْ يُلْحَقَ هَذَا البَيتُ بِالأَمْثَالِ السَّائِرَةِ؛ لِمَا قَدْ جَمَعَ فِيهِ وأَوجَزَ».
***
(ذِكْرُ الفَتَى): الذِّكْرُ الحَسَنُ الَّذِي يَتَدَاوَلُهُ النَّاسُ عَنِ المَرْءِ بَعْدَ رَحِيلِه.
وَخَصَصْنَا بِالحَدِيثِ حُسْنَ الذِّكْرِ دُونَ غَيرِهِ، لأَنَّ الذِّكْرَ إِذا لَمْ يَكُنْ حَسَنًا لَنْ يَغْدُوَ عُمْرًا ثَانِيًا.
فَإذَا ذُكِرَ المَرْءُ بِمَا يَسُوءُ، انْتَفَتْ فُرْصَةُ عَيْشِهِ حَيَاةً ثَانِيَة، بَعْدَ انْتِهَاءِ حَيَاتِه الأُولَى.
وَالفَتَى: هُوَ الشَّابُّ الّذِي لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْخُوخَة. ورُبَّمَا ذُكِر الفَتَى دُونَ أنْ يُقصَدَ بِهِ الشَّابُّ، بل يُرَادُ بِهِ الكامِلُ الجَزْلُ مِنَ الرِّجَالِ، بدلالة قول الشاعر:
إنَّ الفَتَى حَمَّالُ كُلِّ مُلِمَّةٍ لَيسَ الفَتَى بِمُنَعَّمِ الشُّبَّانِ(عُمْرُهُ الثَّانِي): بَعْدَ أَنْ انْتَهَتْ حَيَاتُهُ الأُولَى بِالمَوتِ، بَدَأَ عُمْرُهُ الثَّانِي بِمَا يَتَرَدَّدُ عَنْهُ مِنْ جَمِيلِ الذِّكْرِ.
رُوِيَ بَيْتُ القَصِيد: وحَاجَتُهُ مَا فَاتَهُ (بِالفَاء): أي أَنَّهُ يَتَطَلَّبُ مَا لَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهِ، وَيَظْهَرُ بِهَذَا التَّطَلُّبِ كَأَنَّهُ يَحْتَاجُ مَا فَاتَهُ وَلَمْ يَسْتَطِعِ امْتِلَاكَه.
وَرُويَ: وحَاجَتُهُ مَا قَاتَهُ (بِالقَاف): أي مَا يَكْفِيهِ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ، هُوَ مَا يَحْتَاجُه.
قَالَ ابنُ القَطَّاع: صَحَّفَ الرُوَاةُ هَذَا البَيْتَ، فَرَوَوْهُ: فَاتَهُ (بِالفَاء)، وَالصَّوَابُ بِالقَاف.
وَفِي البَابِ نَفْسِه، شَيَّدَ أحْمَد شَوقِي، بَيْتا شِعرٍ، مُسْتَلْهِمًا فِكْرَتَهُمَا مِنْ أَبِي الطَّيَّبِ، فَقَالَ:
دَقَّاتُ قَـلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ إِنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا فَالذِّكْـرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِياسْتَنْسَخَ شَوْقِي عُمْرَ الإِنْسَانِ الثَّانِي، وَرَبَطَ فِي البَيْتِ الأَوَّلِ بَيْنَ دَقَّاتِ القَلْبِ وَدَقَّاتِ السَّاعَة، لِتَأكِيدِ قِصَرِ الحَيَاة، وَحَضِّ المَرْءِ لِيَعْمَلَ عَلَى بَيَاضِ المَسِيرَة، بِمَا يَكْفُلُ لَهُ عُمْرًا ثَانِيًا، يَمْتَدُّ بِالإِطْرَاءِ عَلَيْهِ بِنَقَاءِ السِّيرَة.
وَفِي البَابِ ذَاتِهِ، لِأَبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبّي، أَيْضًا، قَوْلُهُ:
كَفَلَ الثَّنَاءُ لَهُ بِرَدِّ حَيَاتِهِ لَمَّا انْطَوى فَكَأَنَّهُ مَنْشُورُوَقَوْلُهُ: (لمَّا انْطَوى)، أَرَادَ: عِنْدَمَا طُوِيَتْ صَحِيفَتُهُ بِوَفَاتِه.
وعَبَّر عَنِ الحَيَاةِ بـِقَوْلِهِ: (منشور)، فَجَاءَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، بِالشَّيءِ وَضِدِّهِ، لِبَيَانِ صُورَتِهِ بِأَوْضِحِ وَجْهٍ.
وَلِأبِي تَمَّامٍ، قَوْلُهُ:
سَلَفُوا يَرَونَ الذِّكْرَ عَقْبًا صَالِحًا وَمَضَوا يَعُدُّونَ الثَّنَاءَ خُلُودَا***
ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي وحَاجَتُهُ مَا فَاتَهُ وفُضُولُ العَيشِ أَشْغَالُقَالَ صَلَاحُ الدّينِ الصَّفَدِي، فِي (نُصرةُ الثَّائر علَى المثلِ السَّائر)، عَنْ بَيْتِ القَصِيد: «وَهَذَا البَيْتُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَمْثَال».
قُلتُ: صَدَقَ وَالله، وَفِي البَيْتِ حِكَمٌ ثَلَاثٌ، غَدَتْ أَمثالًا سَائِرَةً، وهيَ:
الأَوَّلُ: (ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي)، وَذَلكَ بَعْدَ المَوْت.
الثَّانِي: (حَاجَةُ الفَتَى مَا قَاتَهُ)، فَالمَرْءُ لَا يَحْتَاجُ إلَّا مَا يَقْتَاتُ عَلَيْه.
الثَّالِثُ: (فُضُولُ العَيشِ أَشْغَالُ)، مَا زَادَ عَنِ الأَسَاسِيَّاتِ يُشغِلُ بِلَا طَائِل.
قَالَ الأَمِيرُ الشَّاعرُ التَّابِعِيُّ الفَاضِلُ، سَالِمُ بنُ وَابِصَةَ الأَسَدِيُّ:
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِن سَـدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيئاً عَادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرَايَعْنِي أَنَّ مَنْ تَطَلَّبَ زِيادَةً عَلَى حَاجَتِهِ، خَرَجَ بِتَطَلُّبِهِ مِنَ الغِنَى، ودَخَلَ في الفَقْرِ، بِلَهَاثِ رَكْضِهِ خَلْفَ ازْدِيَادٍ، هُوَ لَهُ عَينُ النَّقْصِ.
والمقصود بالزيادة، الإفراط في الاستهلاك، والغرق في الكماليات، التي تتجاوز الأساسيات، وتبتعد عنها بمسافات.
وَقَدِ اسْتَوْفَى المُتَنَبّي فِي بَيْتِ القَصِيدِ، بَيْتَ ابْنِ وَابِصةَ، وَزَادَ عَلَيْهِ: «ذِكر الفتى عمره الثاني»
وَمِنَ الذِّكْرِ الحسنِ، الّذِي يُحْيِي بَعْدَ المَوْتِ، قَوْلُ الإِمَامِ الشَّافِعِي، فِي دِيوَانِهِ (ص37 رقم 53):
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُإنَّ مَنْ مَاتَ ولَمْ تَمُتْ مَكَارِمُه، يَعيشُ عُمْرًا ثَانِيًا بحَيَاةِ تِلكَ المَكَارِمِ، فَهِيَ تُحْيِي ذِكْرَهُ، وتَنْشُرُ عِطْرَه.
وَلِأَنَّ بَقَاءَ ذِكْرِ الإِنْسَانِ بَعْدَ المَوْتِ بِمَنْزِلَةِ الحَيَاةِ، قَالَ الشَّاعِرُ الجَاهِلِيّ، الحَادِرَةُ:
فَأَثْنُوا عَلَينَا لَا أَبَا لِأَبِيكُمُ بإِحْسَانِنَا إِنَّ الثَّنَاءَ هُوَ الخُلْـدُوَالذِّكْرُ بَعْدَ المَوْتِ، لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ حَسُنَتْ خِصَالُه، وَزَانَتْ فِعَالُه، وَكَانَ جَوَادًا اتَّشَحَ بِمَكَارِمِ الأَعْمَالِ، وَمَحَاسِنِ الأَخْلَاق.