أخر الأخبار
... عن لبنان والمنطقة وإحدى صور العالم اليوم
... عن لبنان والمنطقة وإحدى صور العالم اليوم

ربّما لم نخرج باستنتاجات وافية تطال منطقتنا من عبارات مفتاحيّة نردّدها منذ عقود. فـ«صعود الهويّات» و«انشطار الدولة الوطنيّة، في زمن العولمة، بين ما قبلها وما بعدها» و«شيوع الولاءات القَبَليّة في الزمن الحديث» أُشبعت ذكراً وتنويهاً من غير أن يُبنى عليها ما ينبغي أن يُبنى... فحين يقول لبنانيّون كثيرون إنّ الوظيفة الأولى لسلاح «حزب الله» وظيفة داخليّة، لا يكونون يفعلون سوى إعلان انطباق تلك المفاهيم على أحوالهم، بعد دفعها إلى الحدّ الأقصى المسلّح. والشيء نفسه يصحّ وصفاً للتحوّلات التي طرأت على ما كان يُسمّى «الصراع العربيّ الإسرائيليّ»، أو بلغة أشدّ آيديولوجيّةً «الحرب بين الأمّة العربيّة والصهيونيّة». فمنذ 1973 باتت تُذكر دول بعينها حيث كانت تُذكر «الأمّة العربيّة»، وفي الثمانينات والتسعينات غدا يُشار إلى مناطق وجماعات، حتّى أنّ «قطاع غزّة» و«الضفّة الغربيّة» اندرجا في سياقين متمايزين، فيما تُرك لـ«فلسطين» سياق ثالث أشدّ نظريّة، وأبعد عن المجريات السياسيّة والحدثيّة. وبالطبع لا يُستبعد أن يترافق هذا التجزيء مع بُعد إسلاميّ، أو حتّى عالميّ عابر للحدود، تُنسب إليه المهامّ التضامنيّة والتحرّريّة التي كانت تُنسب قبلاً إلى بُعد قوميّ عربيّ ما. وليس هناك ما ينافس الحالة الحوثيّة في اليمن على جمعها بين تلك التيّارات والتوجّهات: من قيامها على نظام قرابيّ موسّع وفصمها العُرى داخل بلدها إلى تهديدها الأمن الإقليميّ لجوارها، ومن تنطّحها لمقاتلة قوى أكبر وأقوى منها بلا قياس وإضرارها بالتجارة الدوليّة، إلى نشرها ثقافة عتم شامل، وتلحّفها بإيمان وتقوى ما.

ولربّما كنّا نعيش في المنطقة العربيّة اليوم الفصل الثاني من الملحمة الجيولوجيّة والدمويّة التي افتُتح فصلها الأوّل مع تفسّخ الاتّحاد السوفياتيّ ويوغسلافيا. فهناك انكسرت دفعة واحدة قشرة الدولة الواحدة والرابطتين الوطنيّة والأمميّة لتنفجر، في أوّلهما، حروب ناغورنو كاراباخ وأوسيتيا الجنوبيّة وترانسنيستريا وجورجيا – أبخازيا والشيشان، وفي الثانية حروب صربيّة وبوسنيّة وكرواتيّة وسلوفينيّة ومقدونيّة – ألبانيّة... لكنْ في موازاة تلك الحروب شهدت تشيكوسلوفاكيا السابقة، مطالع 1993، ما عُرف بـ«الطلاق المخمليّ» وصفاً للانفصال السلميّ في دولة أكثر أوروبيّة بلا قياس. وكان في هذين القياس والمقارنة ما يكفي لتأمّل من يشاء واستخلاصه.

يقال هذا الكلام وفي البال ما يعيشه اليوم لبنان وبلدان عربيّة أخرى. فتحت غلالة الدولة والوطن والسيادة، وباقي المفاهيم المنتمية إلى أفق الحداثة السياسيّة، تتململ الجماعات الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة فتشنّ الحروب وتعقد المعاهدات وتبلور مبادرات «دبلوماسيّة» خاصّة بها. وقد يكون أخطر وأهمّ ما فعلته إيران هو بالضبط أنّها استخدمت هذا الوقود الانفجاريّ لمجتمعات غير متصالحة ذاتيّاً ومستعدّة دوماً إلى ترجمة عدم تصالحها عنفاً مفتوحاً. وهذا إنّما تأدّى عنه تحوّل المجتمعات المذكورة دروعاً لإيران بإرادة بعض أبنائها، ولكنْ أيضاً مواجهتها تاريخها الذاتيّ واضطرارها أن تدفع، مرّة واحدة وعلى قدم واحدة، تلك الفواتير الباهظة المتراكمة التي لم تُدفع قبلاً.

لقد نشأ «حزب الله» أصلاً حزباً دينيّاً وطائفيّاً معاً، وهذا ما كان يبدو، مطالع الثمانينات، باعثاً على شيء من الاستغراب تبعاً لتجاوزه كلّ التديين والتطييف السابقين عليه، وهما لم يكونا ضئيلين أصلاً. لكنّ ما يُلمس اليوم أنّ ممارسة الطقوس المذهبيّة صارت جزءاً من كلّ دور وموقع رسميّين، وأنّ طقوس الجماعات، وقد أحكمت قبضتها على المجتمع، شرعت تغزو الدولة بهمّة ونشاط.

وإذ تُناقَش مسائل الحرب والسلام مع إسرائيل، تحضر مواقف الطوائف منها كما لو أنّ لكلّ طائفة «دبلوماسيّتها» حيال المسائل المذكورة، وهذا فضلاً عن امتلاكها مقدّمات «ثقافيّة» تجيز السلام أو لا تجيزه. هكذا يغدو الموقف قابلاً للقياس الدقيق في كلّ طائفة على حدة. وثمّة في هذا شيء كثير من تفجّر التواريخ المكبوتة للجماعات، وهي تواريخ نزاعيّة واستتباعيّة تندرج فيها الحروب الأهليّة حول القضية الفلسطينيّة، وحروب الطوائف والحروب داخل الطوائف لإرساء الغلبة، ومشاعر التهميش أو الغبن أو غير ذلك ممّا أصاب الجماعات أو زعمت الجماعات أنّه أصابها.

وهذه النوازع الاستقلاليّة المتفاقمة تحت قشرة الدولة المتصدّعة، تجعل «النضال ضدّ التطبيع» أمراً مثيراً للسخرية إذ في وسع أيّ كان أن «يطبّع» بطريقته، حتّى لو لم يتمّ المرور بمحطّة السلام. لكنّ سخرية موازية تستدرجها أوهام البعض بأنّهم يستطيعون جرّ الدولة إلى السلام، والمجتمعَ إلى التطبيع، بمجرّد أن يسالموا هم وأن يطبّعوا.

فنحن إذاً مجتمع يتصرّف كلّ شطر منه على هواه، يعيش تعدّديّة بدائيّة بلا قواعد متّفق عليها ولا ضوابط مشتركة أو مركز ناظم.

وتجد هذه الأهواء الفئويّة، وما يندرج فيها من ثقافات الجماعات الفرعيّة، ما يُنجدها في أحوال المنطقة والعالم. فإلى «الجمهوريّة الإسلاميّة» في إيران يتعاظم وزن الأحزاب الدينيّة في إسرائيل، ويضمحلّ بناء الدول كبند مؤثّر في سياسات أقوى الدول الغربيّة ولدى رأسماليّاتها «التكنولوجيّة»، ولا يعود دعم الشعوب والجماعات المقهورة جزءاً من أجندة تقدّميّة وتنويريّة ليغدو امتداداً للدفاع عن «أصالة» يتهدّدها «رجل أبيض» لا يتعب من التهديد...