فرنسا تعود إلى الساحل من بوابة تشاد.. حضور عسكري بشكل جديد
وكالات - الكاشف نيوز: بعد أقل من عامين على خروج آخر جنودها من تشاد، بدأت فرنسا تستعيد موطئ قدم عسكريا في البلد الذي كان آخر معاقل وجودها في منطقة الساحل الإفريقي، في عودة مختلفة هذه المرة تقوم على التدريب والاستخبارات والتسليح والمراقبة الجوية، من دون إعادة القواعد الدائمة التي أغلقتها باريس تباعا في المنطقة.
وكشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن التقارب بين الرئيسين إيمانويل ماكرون ومحمد إدريس ديبي انتقل من الاتصالات السياسية إلى تعاون عسكري فعلي، بعد قطيعة بدأت أواخر عام 2024، عندما ألغت نجامينا اتفاق الدفاع مع باريس وأجبرت نحو ألف جندي فرنسي على مغادرة البلاد.
والثلاثاء استقبل ماكرون ديبي في قصر الإليزيه للمرة الثالثة خلال أقل من 10 أشهر، ووقع وزيرا دفاع البلدين "إعلان نوايا" لإعادة تنظيم التعاون الدفاعي في مجالات التدريب والخبرة والصناعات والتقنيات العسكرية، وتطوير قدرات الجيش التشادي.
وبحسب مصادر عسكرية تشادية تحدثت إلى "لوموند"، يوجد نحو 20 عسكريا فرنسيا في تشاد منذ بداية الصيف، يقدمون التدريب لوحدات محلية في مركزي موسورو ومساقط، شمال شرقي العاصمة نجامينا.
ويشمل التدريب أفرادا من "قوة التدخل السريع"، وهي وحدة نخبة أنشأها ديبي أواخر عام 2023، إضافة إلى تدريب قدمه عناصر من سلاح الجو الفرنسي خلال الصيف.
وتبحث باريس أيضا تزويد تشاد بمروحيتين وطائرة لنقل القوات، فيما أرسلت المديرية العامة للتسليح الفرنسية وفدا إلى نجامينا لدراسة احتياجات الجيش التشادي.
كما تجري مناقشات بشأن إعادة طائرات استطلاع ومراقبة فرنسية إلى تشاد، في خطوة من شأنها أن تمنح باريس مجددا إمكانية العمل من مطار نجامينا، الذي يمثل موقعا استراتيجيا في وسط القارة الإفريقية.
أما التعاون الاستخباراتي، فتقول "لوموند" إنه لم يتوقف فعليا خلال عام 2025، رغم الأزمة السياسية، خصوصا في مجال متابعة نشاط الجماعات المتطرفة في حوض بحيرة تشاد.
وبذلك، لا تبدأ العودة الفرنسية من الصفر، بل تبني على قنوات أمنية ظلت مفتوحة حتى في ذروة الخلاف بين البلدين.
وتمثل الخطوة تحولا لافتا بعد سنوات خسرت خلالها فرنسا معظم انتشارها العسكري التقليدي في منطقة الساحل.
فقد انسحبت القوات الفرنسية من مالي، ثم أنهت وجودها العسكري في بوركينا فاسو والنيجر، قبل أن تقرر تشاد في نوفمبر 2024 إنهاء اتفاق التعاون الدفاعي الذي ربطها بفرنسا لعقود.
وقال ديبي وقتها إن الاتفاق أصبح "متقادما" ولم يعد يلبي الاحتياجات الأمنية والجيوسياسية لبلاده، مؤكدا في الوقت نفسه أن تشاد لم تغلق الباب أمام تعاون مستقبلي مع فرنسا.
وفي يناير 2025، غادر آخر الجنود الفرنسيين تشاد، لتفقد باريس بذلك آخر قواعدها الرئيسية في الساحل.
وفي الوقت نفسه، عززت مالي وبوركينا فاسو والنيجر علاقاتها العسكرية مع روسيا، فيما وسعت تركيا ودول أخرى حضورها الأمني والدفاعي في المنطقة.
لكن تشاد بقيت حالة مختلفة، فالبلد يقع عند تقاطع أزمات متعددة، بين ليبيا شمالا والسودان شرقا والنيجر غربا وإفريقيا الوسطى جنوبا، إضافة إلى حوض بحيرة تشاد، ما يمنحه موقعا يتيح مراقبة مساحات واسعة من الساحل ووسط إفريقيا.
ولهذا، وصفت "لوموند" استعادة العلاقة العسكرية مع نجامينا بأنها مكسب لباريس بعد الانتكاسات التي تعرضت لها في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
ولا تشير الترتيبات الجديدة إلى عودة فرنسا إلى نموذج عملية "برخان"، التي نشرت في ذروتها آلاف الجنود في قواعد موزعة على دول الساحل.
فباريس تعمل منذ خروجها من المنطقة على صياغة نموذج يقوم على وجود عسكري أصغر، مع التركيز على التدريب وتبادل المعلومات والدعم الفني والاستجابة لطلبات الحكومات الإفريقية، بدلا من الانتشار الدائم واسع النطاق.
وظهر هذا النموذج أيضا في السنغال، حيث أنهت فرنسا وجودها العسكري الدائم في يوليو 2025، وسلمت آخر منشآتها الرئيسية إلى السلطات السنغالية، مع استمرار التعاون في التدريب وتبادل المعلومات. وقال قائد القوات الفرنسية في إفريقيا حينها إن التحول يعكس استراتيجية جديدة تقوم على الشراكة بدلا من القواعد الدائمة.
وفي تشاد تحديدا، تقول "لوموند" إن باريس تتحرك بحذر، بعد أن أعادت بين عامي 2024 و2025 عددا من قواعدها الدائمة في إفريقيا إلى الدول المضيفة.
وتتركز الصيغة الجديدة حتى الآن على عشرات المدربين بدلا من آلاف الجنود، وتبادل المعلومات بدلا من غرف العمليات الفرنسية المستقلة، إلى جانب المساعدات والتسليح والمراقبة الجوية، التي يجري جزء منها بالتنسيق المباشر مع الجيش التشادي.
وبينما تبقى مالي وبوركينا فاسو والنيجر خارج هذا المسار، انتقلت العلاقة الفرنسية التشادية بالفعل من مرحلة القطيعة إلى التدريب والتعاون الاستخباراتي، مع بحث إعادة وسائل المراقبة والطيران الفرنسي إلى نجامينا.