أخر الأخبار
العراق بين الاكتفاء الذاتي وأزمة إمدادات البنزين
العراق بين الاكتفاء الذاتي وأزمة إمدادات البنزين

يثير استمرار استيراد العراق بعض المنتجات النفطية -رغم ارتفاع إنتاجه من النفط الخام، وتوسع طاقته التكريرية مع تشييد مصافٍ جديدة- تساؤلات بشأن مدى قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي بصورة مستدامة. وقد أعادت طوابير السيارات أمام محطات البنزين خلال الصيف الماضي تسليط الضوء على التحديات التي تواجه توفير المشتقات النفطية للسوق المحلية، ولا سيما خلال فترات ارتفاع الاستهلاك.

وفي دراسة نشرها «مركز البيان للدراسات والتخطيط» في بغداد، تناول ثامر الغضبان، نائب رئيس الوزراء وزير النفط العراقي الأسبق، أسباب تعثر استمرار وقف استيراد البنزين، رغم إعلان الحكومة تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات النفطية الرئيسة.

ففي 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن العراق حقق الاكتفاء الذاتي من المنتجات النفطية الرئيسة، واصفاً ذلك بأنه خطوة مهمة نحو الاستقلال في مجال الطاقة. وأصدر لاحقاً توجيهاً بوقف استيراد البنزين، وزيت الغاز، والنفط الأبيض، مع تصدير الفوائض، استناداً إلى أن الإنتاج المحلي تجاوز الطلب. وفي إعلان منفصل، توقع السوداني أن يبدأ العراق استيراد الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2028.

لكن قرار وقف استيراد البنزين واجه صعوبات في الاستمرار، وفق الغضبان، الذي يعزو ذلك إلى مجموعة من العوامل التشغيلية التي لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام عند اتخاذ القرار.

يتمثل العامل الأول في متطلبات مزج البنزين، إذ كان جزء كبير من الكميات المستوردة يُستخدم لمزجه بالبنزين المنتج محلياً، ولا سيما في مصافي بيجي، بهدف الوصول إلى مستويات الأوكتان المطلوبة. وبالتالي، فإن توفر كميات من البنزين المنتج محلياً لا يعني بالضرورة الاستغناء عن جميع الكميات المستوردة اللازمة لعمليات المزج.

أما العامل الثاني، فإنه يتعلق بالتغيرات الموسمية في الطلب. فقد ظهر الفائض الذي استند إليه قرار وقف الاستيراد خلال نوفمبر، وهو شهر يتراجع فيه استهلاك البنزين عادة. ويشير الغضبان إلى أن هذا النمط الموسمي معروف في العراق منذ عقود، بما في ذلك خلال تسعينات القرن الماضي.

ويبرز العامل الثالث في إدارة المخزونات الاستراتيجية. فوفق الممارسات المتبعة منذ سنوات في وزارة النفط، تُبنى احتياطيات البنزين وزيت الغاز خلال فصلي الخريف، والشتاء، عندما يتوفر فائض موسمي، في حين تُكوَّن احتياطيات النفط الأبيض والغاز النفطي المسال خلال الصيف، عندما يتراجع الطلب عليهما.

لكن وقف استيراد البنزين أدى إلى السحب من المخزونات لتلبية الطلب المتزايد، ما أسهم في نهاية المطاف في حدوث نقص حاد خلال الصيف. وتوضح هذه التجربة، وفق طرح الغضبان، أن الفائض المسجل في فترة معينة لا يكفي وحده لضمان توفر الإمدادات في بقية أشهر السنة.

وإلى جانب العوامل التشغيلية، والموسمية، أسهم تسرب المنتجات النفطية من السوق المحلية في تقليص الكميات المتاحة للمستهلكين. ويشير الغضبان إلى مسارين للتهريب: الأول داخلي تمثل في انتقال جزء من المنتجات إلى إقليم كردستان بفعل الفوارق الكبيرة في أسعار التجزئة، والثاني خارجي إلى الدول المجاورة، مدفوعاً أيضاً باختلاف الأسعار.

وزادت توقعات الإمدادات تعقيداً بسبب تأخر تشغيل وحدة التكسير بالعامل المساعد في مصفاة البصرة، التي كان يُنتظر أن تنتج نحو خمسة ملايين لتر يومياً من البنزين عالي الأوكتان. ووفق الغضبان، كانت الوحدة تخضع لإجراءات التشغيل التجريبي، لكنها لم تدخل الخدمة بعد مغادرة المقاول في أعقاب الصراع الإقليمي.

ويخلص الغضبان إلى أن هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن العراق لم يكن قد حقق بعد اكتفاءً ذاتياً مستداماً من المنتجات النفطية الرئيسة. فالتقييم، بحسب هذا الطرح، لا ينبغي أن يستند إلى فائض مؤقت في الإنتاج، بل إلى قدرة مستمرة على تلبية الطلب، مدعومة بطاقة تكريرية كافية، ومكونات مناسبة لمزج البنزين، ومخزونات استراتيجية، وإجراءات فعالة للحد من تسرب المنتجات من السوق المحلية.

وفيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال، توقع الغضبان أن يواجه العراق صعوبة بالغة في بدء استيراده بحلول عام 2028. وأشار إلى أن العراق أحرق كميات هائلة من الغاز بسبب غياب المعدات اللازمة لاستثماره، معتبراً أنه من أكثر دول العالم حرقاً للغاز. لكنه توقع انخفاض معدلات الحرق مستقبلاً مع دخول المشاريع الجاري تنفيذها في هذا المجال حيز التشغيل.

وتضع هذه التحديات ملف الطاقة العراقي أمام مسارين متداخلين: ضمان توفر المشتقات النفطية محلياً طوال العام، وتطوير القدرة على استثمار الغاز المصاحب، وتقليص حرقه، إلى جانب الاستعداد لتأمين احتياجات البلاد من الغاز عبر الاستيراد إذا اقتضت الحاجة.