امتحان لا مهرب منه
ماذا يجري داخل المنطقة الواقعة خلف ما يُسمى «الخط الأصفر» في جنوب لبنان؟
طُرح السؤال نفسه مع إجراء إسرائيل عمليات الاقتراع المبكر للجنود في عمق المنطقة المحتلة جنوب لبنان. لقد اختارت القيادة الإسرائيلية مدينةَ بنت جبيل وبلدةَ زوطر الشرقية مركزَين رئيسيين لصناديق الاقتراع. ولئن أُدرج الحدث في سياق «ارتياح» المحتل الإسرائيلي، فالأمرُ سابقةٌ لم يعرفها الجنوب الذي سبق أن خضع لاحتلال طويل بين عامي 1978 و2000. حدثٌ لم يجد لدى بيروت السياسية الإدانة ولا الاستهجان.
تقصّت صحيفة «نيويورك تايمز» الوضعَ داخل «الخط الأصفر»، فكشفت عن أن هناك 48 بلدة طالها تدمير واسع ما زال مستمراً. لم يقتصر الدمار على المنازل والبنى التحتية، كشبكات الطرق والمياه والكهرباء، فتجاوزها إلى تدمير الأراضي الزراعية، لا سيما بساتين الزيتون التي جُرّفت وأتت عليها الحرائق. ورَصدت «نيويورك تايمز» ازدياداً في المواقع الإسرائيلية، وإقامةَ شبكةٍ من الطرق والجسور تربط هذه المنطقة بالشمال الإسرائيلي، ليعطي ذلك انطباعاً أولياً بأن تل أبيب عازمةٌ على احتلال طويل الأمد. وإذا ما أخذنا في الحسبان أن تعداد السكان اللبنانيين الذين اقتُلعوا وهُجّروا قسراً يبلغ نحو 270 ألفاً، فإن ما يجري على الأرض من انتهاكات يشي بأن إسرائيل تريد لهذا التهجير أن يكون مستداماً.
بين الأخطر الذي تكشف عنه الصحيفة المذكورة أن الدمار لم يقتصر على الجغرافيا وما تحتويه من عمرانٍ وأراضٍ زراعية، بل امتد إلى التركيبة الدينية للسكان... فالبلدات الـ48 التي أضحت غير صالحة للسكن، وتفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش، كانت تقطنها غالبية كبيرة من المواطنين الشيعة، ممن تتهمهم تل أبيب بأنهم شكلوا حاضنة لـ«حزب الله»، وهم ممنوعون من العودة رغم إعلانات وقف النار (...). وتوازياً، فإن بلدات أخرى يقطنها سكان من طوائف أخرى، تقع إلى غرب المنطقة المحتلة ووسطها وشرقها وفي العرقوب هي اليوم جزرٌ معزولة، وبعد انتهاء وجود «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» في الجنوب، فسيصبح مصيرُها على كفِّ الإجرام المزدوج للعدو الإسرائيلي والميليشيات الدُّمَى التي يحركها النظام الإيراني.
ما هو أشدُّ خطورة حيال وضع المنطقة المحتلة، اعتزامُ إسرائيل توسعتَها لتحقيق ما يريده رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو؛ «منطقة أمنية أعمق وأشد صلابة»، والذرائع موجودة ما دام لم يُنزع السلاح اللاشرعي، فيتقدم الجيش الإسرائيلي من الشقيف ومنطقة علي الطاهر نحو جبل الريحان وتلال سجد وإقليم التفاح؛ لتدمير ما تدّعيه تل أبيب من أنفاق ومخازن أسلحة لـ«حزب الله»؛ ليحقق ذلك خطواتٍ على طريق العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل؛ التي أعلنها نتنياهو مؤخراً، وتدعو إلى الانتقال المباشر من سياسة احتواء التهديدات إلى مواجهتها، قبل أن تتحول خطراً مباشراً. وتدعو هذه العقيدة إلى تنفيذ عمليات استباقية إذا رأت تل أبيب أن الأمن القومي الإسرائيلي يتطلب ذلك (...).
خطورة ما يحدث خلف «الخط الأصفر»، هو ما يحمله من تمهيد لضم إسرائيل هذا الجزء المحتل، بوصفه منطقة «دفاع متقدم». والأمر الأشد خطورة أنه كلما طال أمد الاحتلال، صارت استعادةُ الأرض أشدَّ صعوبة. وإذا أخذنا في الحسبان تسارع الأحداث، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستقع، بل: متى موعدها؟ والأرجح أنها ستحمل تدميراً شديداً، وكل الاحتمالات مفتوحة. ولئن كُشِفَ عن أن واشنطن منعت تل أبيب من بدء الضربات يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، فسلاح الجو الإسرائيلي يُجري مناورات تدريبية حتى الحدود الإيرانية، تزامنت آخرتُها مع انعقاد اجتماع نتنياهو مع بيت هيغسيث، وزير الحرب الأميركي، وبعدها كشف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن أن بلاده لا تتفاوض حالياً مع إيران، وأضاف أن «هناك شيئاً ما سيحدث بطريقة أو بأخرى قريباً».
ستشمل الحرب الآتية إيرانَ ومحورَها، ويرجح لبنانياً ألّا تكون الطريق مسهلة للعودة بعدها إلى «الاتفاق الإطاري»، الذي قبلت به إسرائيل مكرهة، في حين أدى التردد والسياسات الرمادية إلى فرملة البدء الجدي في تنفيذه، وفق معادلة لا فكاك منها؛ هي: «الأرض مقابل السلاح». هنا المعيار الجدي لانتشال لبنان يتجاوز قرارات حصر السلاح، إلى تفكيك الجيش البنى العسكريةَ والأمنيةَ، كما تفكيك السلطة بنى «الدويلة» المالية والاقتصادية والتربوية؛ لإنهاء الوضع الشاذ الذي قوّض الدولة؛ ولإنهاء الذرائع الإسرائيلية.
كان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، شديد الوضوح مع الرئيس نواف سلام عندما لفته إلى أن «الاتفاق الإطاري» رسم ثلاثية: نزع السلاح، ومن ثم انتشار الجيش وتمكينه، ثم الانسحاب الإسرائيلي إلى خارج الحدود. ونزع السلاح يشمل كل لبنان.
بهذا السياق؛ فإن التعامل الرسمي مع شحنة المتفجرات التي صُودرت في ضهر البيدر، وقد مضى على ضبطها أكثر من 3 أسابيع، كشف عن فجوة عميقة بين التعهدات والتنفيذ، فأثار ذلك الأسئلةَ بشأن امتناع السلطة عن وضع قوة الشرعية في وجه الخارجين عليها.
«نزعُ السلاح وتفكيكُ البنى التحتية المرتبطة به» طريقٌ لا بديل عنها للخلاص من إسرائيل التي تحتل الأرض، وإيران التي تعمل بكل ثقلها للإبقاء على ذراعها المسلحة.