واشنطن وبكين... التنافس على صنع المستقبل
يترقب العالم القمة الأميركية - الصينية التي سوف تشهدها بكين بعد يومين، حيث يلتقي الرئيسان الصيني تشي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في ظل تطورات الحرب على إيران، وما أثارته وما تزال من اضطراب كبير في صناعة النفط وسلاسل التوريد وحرية الملاحة، والأمن الإقليمي. ولعل لقاء الرئيسين يكون إحدى خطوات استعادة حالة الاستقرار الإقليمي والعالمي الغائب، وتسوية الصراع التجاري بين البلدين، وأن يسهم في إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وأن يضع حداً للغموض بشأن مستقبل تايوان، والأكثر أهمية أن يتوافق الزعيمان على احترام قواعد ومبادئ القانون الدولي الذي يُضرب به عرض الحائط من قبل دول لا تعرف سوى القتل والتدمير وإفساد البيئة والبحث عن وهم القوة المطلقة بلا فائدة تذكر سوى المعاناة.
تطلعات العالم الكبيرة من هذه القمة أمرٌ مفهومة دوافعه وأسبابه، فالبلدان قوتان كبيرتان، تتنافسان من أجل الريادة العالمية والتفوق التقني في مجالات تصنع المستقبل وتعيد هندسة الواقع اليومي للبشرية، وتفرض على العالم الكثير من الأعباء والتحديات. والأمر البارز هنا يدور حول من يملك أدوات صنع المستقبل في المجال الرقمي والحوسبة الكمومية وبناء الخوارزميات وابتكار وصنع المعدات والأجهزة والرقائق والفيزياء والرياضيات العليا. وهي مجالات باتت ترتبط بقوة بالذكاء الاصطناعي الذي فرض نفسه على حياة البشرية، وكما يتيح فرصاً للترقي والتطور في مجالات حيوية مدنية وعسكرية، فإنه يفرض تحديات غير مألوفة وتحتاج قدراً أكبر من التبصر والتأمل في مآلات المستقبل، لا سيما إذا ما تحققت طفرة في عمل الروبوتات والحاسبات العملاقة تتجاوز قدرة الإنسان في السيطرة عليها.
من المهم إذن معرفة كيف يتنافس أصحاب القرار في تلك المجالات سواء في الصين أو في الولايات المتحدة أو في أي بلد آخر. والمعنيون هنا هم أصحاب القرار في الشركات الكبرى والدوائر الحكومية ذات الصلة بعلوم وصناعات الذكاء الاصطناعي، كمديري «إيه آي» و«إنفيديا» و«أبل» و«غوغل» و«ميتا» و«ميكروسوفت» و«بوينغ» و«سامسونغ» و«هواوي»، ومن على شاكلتهم من أصحاب القرار في الشركات التي تملك مفاتيح الذكاء الاصطناعي بداية من الأفكار المبدعة والمعادلات والحاسبات العملاقة والبرامج الشبكية.
في الولايات المتحدة ثمة إدراك بين أباطرة شركات الذكاء الاصطناعي أن الصين تمتلك قدرات بشرية هائلة في مجال العلوم والرياضيات وهي الأسس التي يُبنى عليها الذكاء الاصطناعي. تصريحات جنسن هوانغ رئيس شركة «إنفيديا» إحدى أكبر شركات صناعة الرقائق المتقدمة التي تعتمد عليها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التوليدي تكشف حالة من القلق لدى الشركات الأميركية. إذ يرى أن لدى الصين عدداً هائلاً من باحثي الذكاء الاصطناعي، نتيجة الاهتمام بالعلوم والرياضيات وتشجيع النسيج الاجتماعي، مما يجعل هؤلاء الباحثين بمثابة كنز وطني وأحد أعظم موارد الصين الطبيعية، وداعياً إلى جذب هؤلاء إلى الشركات الأميركية والاستفادة من مواهبهم، ومعبراً عن قلقه من استمرار الباحثين الصينيين في بلدهم ورفضهم القدوم إلى أميركا أو نتيجة قيود حكومية تمنع سفرهم للخارج.
مثل هذه التصريحات تثير الكثير من الإشكاليات الراهنة في الواقع الأميركي، فالشركات الأميركية اعتادت على توظيف المواهب العلمية والاستفادة منها أياً كانت الجنسية، معتبرة أن «شراء العبد أفضل من تربيته»، إذ يوفر الكثير من تكاليف تنشئة موهبة علمية، ويمنح الشركة أو المؤسسة فرصة لتعظيم الأرباح وإبداع الأفكار وحل المشكلات الرياضية في زمن قصير. مما شكَّل ثقافة أميركية عامة، ترنو إلى خفض التكلفة وحصد الأرباح اعتماداً على عقول أجنبية تحملت بلدانها تكلفة تربيتها علمياً.
ترتبط بذلك تغيرات كبرى في النظام التعليمي الأميركي، حيث أصبح أقل تركيزاً على مجالات الحوسبة المتقدمة، وأكثر تركيزاً على علوم الإدارة والخدمات والإنسانيات. الأكثر من ذلك، أن ارتفاع تكلفة التعليم العالي في العقدين الماضيين جعل الجامعات الأميركية ومراكز البحث بمثابة مؤسسات طاردة لمن لا يملكون المال الكافي، ولم تعد جاذبة كما كان سابقاً. ومع ارتفاع حالة التسييس في الجامعات الأميركية صار الكثير من الطلاب الأجانب يفضلون العودة إلى بلدانهم أو الذهاب إلى جامعات أوروبية أو صينية أو يابانية، مما أفقد الجامعات الأميركية بريق الحرية الأكاديمية مقارنة بما كانت تتمتع به.
يضاف إلى ذلك أن مبدأ الأمان الوظيفي لدى الشركات الأميركية لم يعد مضموناً، إذ إن كبسة زر واحدة كفيلة بطرد مئات أو حتى آلاف تحت مبرر خفض التكلفة، وإرضاء المساهمين.
وجاء التشدد في سياسات استقبال المهاجرين، وتفضيل من يوصفون بأصحاب المواهب، شريطة أن يكونوا من أصحاب المواقف السياسية المتناغمة مع سياسات «جعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، مما أغلق الأبواب أمام الكثير من المواهب في مجالات مختلفة في الطب والهندسة والزراعة والحاسبات الإلكترونية، مما حرم الشركات الأميركية من تلك الكنوز البشرية التي كانت تضيف إلى التفوق الأميركي من دون أي تكلفة تذكر في تنشئة تلك المواهب، والتي تحملتها بلدانهم عن طيب خاطر.
إن دعوة رئيس «إنفيديا» لجذب المواهب الصينية في العلوم والرياضيات يعني ببساطة أن هذه النوعية من العلوم هي بُعد رئيس في الأمن الوطني لأي دولة فضلاً عن تقدمها، وهو ما لا يستقيم مع سياسات تعليم ينشئها القطاع الخاص والمبادرة الفردية التي قد تصيب أحياناً، لكنها كثيراً ما تخطئ. وبينما خططت الصين ودول أخرى كسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية لدعم التعليم في العلوم والرياضيات وبناء الخوارزميات، وربط هذه المجالات بالصناعات المستقبلية، يظل التفضيل الأميركي مرهوناً بمبادرات القطاع الخاص.