ذاكرة فرنسا الغنيّة عن السعودية
بيان سعودي فرنسي مشترك صدر في ختام زيارة الدولة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، اشتمل على رسم الخطوط الرئيسية في التعاون السعودي الفرنسي الكبير في مجالات متنّوعة، من السياسة للاقتصاد للثقافة للرياضة للسياحة للصناعة للتكنولوجيا... وغيرها.
في الأثناء أشار الرئيس إيمانويل ماكرون إلى عمق العلاقات بين البلدين، قائلاً: «لقد أنجزنا بالفعل الكثير معاً، وبإمكاننا المُضيّ قُدماً نحو آفاق أبعد».
لا مجال للحديث هنا عن قيمة فرنسا، الدولة العظيمة الآن، وفي الماضي، وقيمة التعاون السعودي الوثيق مع هذه الدولة الكبيرة، فالحديث هنا يتشعّب، لكن آثرتُ الوقوف عند مسألة واحدة، وهي قيمة الكتابات الفرنسية، ومعها وثائق الأرشيف الفرنسي، الرسمي أو غير الرسمي - مثل الصُحف - في تغذية وإنعاش المادّة التاريخية عن الجزيرة العربية بعموم، وعن السعودية بخصوص، منذ أيام الدولة السعودية الأولى، التي سنحتفي بذكرى مرور 3 قرون عليها، في السنة المُقبلة 2027.
الدكتور محمد خير البقاعي، هو من خيرة المؤرخين العرب الذي اهتمّوا بهذا الجانب في تناوله للتاريخ السعودي، وهو الذي ترجم وحرّر كتاب «تاريخ الدولة السعودية الأولى وحملات محمد علي على الجزيرة العربية»، من كتاب فيلكس مانجان الذي هو «تاريخ مصر في عهد محمد علي». ومانجان هو معاصرٌ لنهاية الدولة السعودية الأولى 1818، ونقل مباشرة عن السعوديين الذين بمصر، وعن إبراهيم باشا ووالده محمد علي باشا، ورجالهما. ومع ذلك كان الرجل مستبصراً مُنصفاً حين كتب في تاريخه هذا، ودخان حريق الدرعية ما زال متصاعداً: «ومع أن أسرة آل سعود قد تفرّقت، ومع أن الفوضى تعمُّ بين الزعماء، فما زال هناك أساس خصب يمكن للزمن والأحداث أن تجعله يتفتح من جديد».
وقد صدّقته وقائع التاريخ في ذلك، منذ نهضة الإمام تركي بن عبد الله، في الدولة الثانية، إلى ملحمة حفيده، الملك عبد العزيز، في تأسيس المملكة العربية السعودية.
يقول د. البقاعي حول المصادر الفرنسية في كتابة التاريخ السعودي، في مقالة له بجريدة «الجزيرة»: «تنبّهتُ إلى غياب المصادر الفرنسية التي أرّخت للدولة السعودية في مراحلها الثلاث وهامشية ما استخدم منها مقارنة بالمصادر الإنجليزية، ولعل أكثر من اتسع في النقل عن المصادر الفرنسية هو الدكتور منير بن محمد علي العجلاني (رحمه الله) في كتابه الموسوعي: تاريخ البلاد العربية السعودية، بمراحلها، وقد نقل لأول مرة عن المصادر الفرنسية مادة لم تتوافر لغيره لإتقانه اللغة الفرنسية».
هناك تعاون سعودي وثيق مع فرنسا، أتخيّل أن تسهيل الاستفادة من الأرشيف الفرنسي، بكل أنواعه، هو جزء من هذا التعاون، وأيضاً إطلاق مسار بحثي «مُستدام» بين الباحثين السعوديين وغير السعوديين مع الفرنسيين، لخدمة التاريخ السعودي، بكل مجالاته.