بون وبرلين وبيروت
عاد الكلام في صوت عالٍ في لبنان عن نظام اتحادي. أي التقسيم غير المعلن. ويقود هذه الحملة الآن رجال على مستوى من الرقي والصدق. لكن الجميع يعرفون أن الفيدرالية واللامركزية وغيرها من تسميات محاولات لخفض الشعور الكريه النابع من العبارة نفسها. يخشى الراغبون في الهرب بعضهم من بعض أن يقروا بذلك. أظهرت مائة سنة أن حروب البلد أكثر بكثير من وحدته. نموذج فاشل للتعايش، يقول البعض. والطلاق أفضل من التقاتل، يقول البعض الآخر. انفصال بمحبة أفضل ألف مرة من زواج في الكره.
كمواطن لبناني، أنا ضد التقسيم. لن ينجح. لن يستمر. لا شيء يمكن أن ينجح في بلد مساحته 10 آلاف كيلومتر مربع وعاش تجارب حكم أكثر من ألمانيا.
عندما ذهبت إلى برلين أول مرة لم تكن عاصمة بل مدينة محرمة. وكان شرقها عدواً لغربها وبينها جدار مثل سور الصين. عاصمة ألمانيا الغربية كانت مدينة صغيرة تدعى بون. فقد كانت ألمانيا ألمانيتين، شرقية شيوعية وغربية رأسمالية. وفي الرحلة التالية إلى بلاد الألمان كانت الوحدة قد عادت وعادت برلين عاصمة وسقط الجدار، ورفع الألمان شعار كونراد أديناور الشهير: لا تجارب بعد اليوم.
عرفنا ذات زمن في لبنان، بيروت الشرقية وبيروت الغربية. وكنا نلتقي سراً خلف «خطوط التماس». وكنا نتقاتل. ونحتفل مثل الألمان.
لماذا نبحث اليوم عن تجربة أخرى وصبغة أخرى. خلوها هيك. أقل من تقسيم وأفظع من وحدة. ومرحباً فيدرالية.