مجلس العالم
يذكّر تشكيل مجلس غزة الدولي، الذي من مهمته إعادة إعمار المدينة المنكوبة، بعد تدميرها الممنهج على يد إسرائيل على مدى أكثر من سنتين، وإدارتها لحين من الوقت، بقصة لبورخيس عنوانها «المجلس»؛ يتحدث فيها، كما يدل عنوانها، عن تشكيل مجلس لا يختلف شكلياً عن مجلس غزة، من ناحية طابعه الأممي، لكن يأمل المرء أن يكون جوهره ومآله مختلفين كلياً. هي بالطبع قصة خيالية أحداثها تجري في بداية القرن العشرين، وبالتحديد عام 1904، ولا تنطبق بالضرورة على الواقع، كما لا ينبغي قراءتها أو تأويلها خارج النص.
كتب بورخيس هذه القصة عام 1955. ونُشرت في «كتاب الرمل» -ترجمة سعيد الغانمي، عن دار «أزمنة»، 1990- وكعادته في المزج بين الخيالي والواقعي، فلا تعرف كيف تميز بينهما، يطرح بورخيس نفسه أحد أبطال القصة باسم مختلف، لكن التفاصيل التي يسردها تدل على شخصيته. ولعل بورخيس، إذا لم نكن مخطئين، أول كاتب في تاريخ الأدب يدخل شخصيته لتكون شخصية رئيسية أو هامشية في قصصه، ثم واصل كتاب آخرون هذا النهج، وأشهرهم كافكا، الذي أدخل شخصيته في معظم أعماله تقريباً، من خلال الرمز «ك».
راوي القصة، واسمه أليخاندرو فيري، البالغ 71 عاماً، الذي لا يزال يدرّس الإنجليزية لمجموعة من التلاميذ، ويعيش وحيداً، هو آخر أعضاء ذلك المجلس، الذي يقول عنه إنه يضم جميع الناس، «فليس على الأرض من ليس عضواً فيه، ولكنني أعرف أنني عضو من نوع آخر». كان رئيس المجلس، دون أليخاندرو، مالكاً لمساحة شاسعة من الأرض تمتد حتى البرازيل (تدور القصة في بوينس آيرس)، التي ورثها من أبيه. وفي فترة ما، تاق دون أليخاندرو إلى الانضمام إلى المجلس القومي الأوروغواني. لكن الزعماء السياسيين وقفوا في طريقه، فقرر في ثورة غضبه أن يؤسس مجلساً آخر على مدى واسع، يُمثل الناس جميعاً من الأمم جميعاً.
وكان أليخاندرو، كما يصفه السارد، «إنساناً مهذباً، وكبيراً في السن، بجبين عريض، وشعر خفيف، وعيون رمادية، ولحية رمادية، تميل إلى الاحمرار، وكنت أراه دائماً لابساً كنزة صوفية سوداء، وقد عقد يديه على رأس خيزرانته... كان قوياً وطويلاً».
ولكن لا بد أن يكون التاريخ والجغرافيا حاضرين؛ ولذلك، اقترح أعضاء المجلس إنشاء مكتبة مراجع لكل العالم: موسوعات فرنسية عن عصر التنوير، والموسوعة البريطانية، ومجلدات موسوعية صينية، وعدد كبير من الكتب الصحافية، ثلاثة آلاف وأربعمائة نسخة من «دون كيشوت»، بمختلف الطبعات، والأعمال الكاملة للجنرال ميتر، وأطروحات الدكتوراه، والكتب القديمة، والنشرات الخاصة، وبرامج المسارح، «فكل واحد من هذه الكتب يُشكل شهادة على ما يحدث»، و«ليس هناك كتاب سيئ لا يحتوي على أشياء جيدة».
ابتدأ ركام الكتب بالارتفاع... دون أضابير أو فهارس، في الغرف الخلفية، وفي قبو الخمر. لكن «مكتبة كل العالم» لا يمكن حصرها بالمراجع فقط، وإنما يجب جمع كل الأعمال الكلاسيكية للأمم واللغات جميعاً، فهي «مستودع حقيقي للثقافة لا يمكن الاستغناء عنه».
ولكي يُحقق أليخاندرو ذلك، أرسل مبعوثيه إلى مختلف الأمم لإيصال رسالته، ومنهم بورخيس، الواقعي أو الخيالي، الذي أرسل إلى بريطانيا، وزوّدهم بأموال طائلة، على أن يعودوا بعد فترة ليقدموا تقاريرهم لرئيس المجلس عما أنجزوه.
وكان أحد المبعوثين قد بدد أموال المجلس في أوروبا، وقد خالف أكثر من مرة أمر العودة إلى الوطن. ولم يملك بورخيس المبعوث إلى بريطانيا سوى الاعتراف بأنه صرف الأموال على امرأة في لندن.
لم يبدُ على رئيس المجلس أي انزعاج، ولم يوبخ أولئك الذين أهدروا أموال المجلس، وخانوا الأمانة، وكأنه كان يتوقع ذلك أو كان يرغب في داخله ذلك ليزيح أعباء حملها على كتفيه في لحظة طائشة، واكتفى بالقول:
«المجلس هو ماشيتي. المجلس هو الماشية التي بعتها وأموال الأرض التي لم تعد ملكي». ثم أصدر أمره: «أخرجوا صناديق الكتب هذه، لا أريد كتاباً واحداً في القبو» ثم أصدر أمراً قاطعاً: «أشعلوا النار في هذه القمامة».
وحين تساءل أحد الأعضاء مستغرباً: «كيف سيتمكن مجلس العالم من العمل بغير هذه المواد الثمينة؟».
أجابه رئيس المجلس: «مجلس العالم! أي مجلس؟ هيا بنا إلى أقرب مقهى!». ثم، انتابته نوبة ضحك هستيرية، ساخرة لم يسبق لأحد من أعضاء المجلس أن سمعها من قبل.
وهنا يعلق بورخيس، الواقعي هذه المرة:
ثمة متعة غامضة في التدمير!