أخر الأخبار
نقطة التقاءِ الأمان واليأس
نقطة التقاءِ الأمان واليأس

أكثر الأفكار السياسية كسلاً اعتنقتها وأنا في وظيفة مأمونة. وأعني بالوظيفة المأمونة عقداً دائماً، في مؤسسة حكومية، وراتباً يرتفع سنوياً بنسبة التضخم على الأقل، بلا شروط. وكانت هذه الأفكار نتيجة لعواملَ عدة. أوّلها أنَّ الأمان يرفع عنك عبء الخوف من المستقبل، وهو ضروري لكي تفكر في قراراتك بإمعان. ومع طبيعة عملي في الصحافة، أعطاني الأمان مساحة للتجمل الفكري بلا حساب ولا تكلفة. فتطرح على الآخرين ما تجمل صياغته، وما تمدحه الدوائر والأقران. كأنَّنا في لعبة مسابقات ترفيهية، الفائز من يغرف أكثر من نفس الوعاء ويصب أكثر من نفس الحساء.

لا يعني هذا أنَّ الموظفَ الحكوميَّ لن يتأثر بالظروف الاقتصادية غير المواتية. سيتأثر بالتأكيد، ربَّما يضطر إلى دفع قسط دين عقاري أكبر، وسينفق أكثر على السلع. لكن هذا ضئيل إن قورن بحجم المخاطر التي يواجهها أصحابُ الأعمال الخاصة، لا سيَّما الصغير والمتوسط منها. هؤلاء الذين يديرون حياتهم بحاصل الجمع والطرح، ولا ضمان لاستمرارهم وإن اجتهدوا إلا سياسة عامة كفؤة. أزمة اقتصادية واحدة كفيلة بالقضاء على تجارتهم قضاء مبرماً، وتضخم مع ضرائب كفيل بإخفاء قطاع من زبائنهم. عالم لا يعلم عنه الموظف الحكومي إلا القليل. وقد جرَّبت بنفسي الحياة على الضفتين.

أعيش في منطقة تجارية في لندن. أستطيع بالعينِ المجردة أن أرى الازدهارَ والانهيار. فكر في القطاعات التي تأثرت بأزمة 2008، ثم القطاعات التي انهارت في أزمة كوفيد. في كل هذا كانت الوظيفة الوحيدة المضمونة هي الوظيفة الحكومية.

في قلب الأزمة الاقتصادية قد يصدر حزب سياسي قراراً برفع الحد الأدنى للأجور، فيجعله هذا أكثر شعبية بين الجمهور. لكن الواقع أنَّ الحكومة ستموّل القرار من ضرائب الجميع، وأنَّ القطاع الخاصَّ الصغيرَ والمتوسط سيدخل في أزمةٍ أكبر بسببه، تضيف إلى بند الإنفاق، وسوف يعجز عن توظيف مزيد من العاملين وربَّما يضطر إلى الاستغناء عن عمالة.

هذا الانتقال في زاوية النظر صعب على كتاب الرأي الذين تولوا مهامَّ إدارية. لا يملكون رفاهية الوصول إلى قناعة ثم كتمانها حفاظاً على حظوة القبول، ولا أن يصرّحوا بشيء ككتاب رأي ثم يفعلوا عكسَه كإداريين. حيث يتحوّل الجدل السياسي والاقتصادي في نطاق المشتغلين باللغة العربية إلى جدل أخلاقي، وتبقى السياسات النظرية أكثرَ جاذبية من اختبارها خارج النطاق الحكومي.

الجهة الأخرى التي يتحقق لها أمان لا يتحقق لصاحب ورشة نجارة صغيرة أو تجارة محدودة هي فئة المستثمرين الكبار. نسمع أحياناً من بعضهم دعوة إلى تعميم إجراءات يسهل عليهم تطبيقها في شركاتهم، ولا يطيقها أصحاب الأعمال الصغيرة.

وإذا كانَ الأمان المفرط يحرر صاحبه من القلق، فإنَّ اليأس يفعل الشيء نفسَه، قادماً من المدخل المقابل. من يعتقد أنَّ الغدَ سيئٌ على أي حال، لن يكترثَ بما يقرّر اليوم. يصبح الحديث عن إنتاج طويل الأجل ترفاً، ويغدو الحلّ الفوري، ولو كان سيئاً على المدى البعيد، أكثرَ إغراءً من دواء اقتصادي مر لا يثق أحد بعائده ولا في استفادته الشخصية منه. في الحالتين يغيب ذلك الخوف الضروري الذي يجعلنا نحسب التكلفة قبل أن نحتفي بالشعار.

ولذلك من اللافت أنَّ السياسات التي تخرج عن عقلية الأمان، ومحدودية الخوف من العاقبة الاقتصادية، شبيهة للغاية بالسياسات التي تخرج عن عقلية اليأس. كلتاهما متركزة على التوزيع لا الإنتاج، وبصورة أبسط كلتاهما معنية بتوفير أوراق النقد، لا بصياغة سياسات تعزز الاستثمار. والمحزن هنا أنني لا أتحدث فقط عن رجل الشارع البسيط الذي يردد بثقة: «لماذا لا يطبعون مزيداً من النقود؟»، بل عن سياسات اقتصادية في أوقات اليأس، هذا توصيفها الحقيقي غير المعلن، أما ما ينتج عن ذلك من أضرار بنيوية فمتروك لمستقبلٍ لا يعرف أحدٌ كيف سيبدو.